رغم الفارق النوعي بين صورة الوضع الحكومي الإسرائيلي، ومتاعب وضع السلطة الفلسطينية، إلا أن الطرفين يواجهان مشكلتين متشابهتين شكلا. الفلسطينيون يواجهون مشكلة «التهدئة»، ومشكلة الخروج عن إطارها، وما تولد عن ذلك من مواجهات داخلية مسلحة بين حركتي فتح وحماس. والإسرائيليون يواجهون مشكلة تمرد المستوطنين الرافضين لقرار الانسحاب من قطاع غزة، وهو تمرد يسير حتى الآن سلميا، ولكنه مهدد بالانفجار في أية لحظة، حين يقدم مستوطن ما، أو حين يقدم شرطي ما، على إطلاق ولو رصاصة واحدة، إذ أن هذه الرصاصة بين الحشود ربما تقود إلى ما هو أوسع وأخطر، لا يتوانى البعض في إسرائيل عن وصفه بالحرب الأهلية المنتظرة. وتنبع المشكلة لدى كل طرف من أسباب موضوعية واضحة، إنما تختلف بشأنها القراءات واقتراحات الحلول. فالذين يخرجون على «التهدئة» في الجانب الفلسطيني لا يفعلون ذلك عبثا. إنهم يصرون على أن «التهدئة» لا بد أن تكون متبادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن الإسرائيليين لا يكترثون لذلك، ويشنون حملة واسعة النطاق ضد «الجهاد الإسلامي» تتمثل في الاعتقالات والاغتيالات، وهي التي دفعت «الجهاد الإسلامي» إلى تنفيذ عملية نتانيا الانتحارية. كما يشن الإسرائيليون حملة اغتيالات ضد ناشطي حركة حماس حتى أنها اغتالت سبعة ناشطين في يوم واحد، وهذا ما دفع حركة حماس إلى إطلاق الصواريخ باتجاه المستوطنات. أما الذين يصرون على ضرورة استمرار «التهدئة» فهم بالأساس رجال السلطة الفلسطينية، والذين يرون ضرورة الإصرار على «التهدئة»، وعدم الرد على الاستفزازات الإسرائيلية، وبخاصة خلال هذا الشهر الذي سيشهد عملية الانسحاب الإسرائيلي من غزة (15/8/2005)، ثم يكون لكل حادث حديث، وإلا فإن الخروج عن «التهدئة» سيؤدي إما إلى تعطيل الانسحاب، أو إلى قيام إسرائيل بعملية عسكرية مؤلمة ضد السكان المدنيين. وهكذا تتصادم وجهتا النظر، ويصل التصادم إلى حد المواجهة المسلحة، ويستدعي الأمر وساطات ومفاوضات حتى تعود الأمور إلى نصابها السابق.

وتنشأ حالة مشابهة على الجانب الإسرائيلي. فالاستيطان جزء من عقيدة إسرائيل. شارك به كل من حزب العمل وحزب الليكود على السواء. بدأ حزب العمل الاستيطان على قاعدة صياغة سياسية عنوانها «فرض الوقائع على الأرض»، حسب الشعار الذي أطلقه موشي دايان وزير دفاع إسرائيل في حرب العام 1967 وما بعدها. وبدأ حزب الليكود الاستيطان على قاعدة آيديولوجية مختلفة تنطلق من قاعدة «أرض إسرائيل الكبرى» التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وربما شرقي الأردن. وقد لجأ كل من حزب العمل (اليساري) وحزب الليكود (اليميني) إلى تغذية التيارات الدينية الأصولية من أجل مكاسب سياسية (التصويت في الكنيست)، وكذلك من أجل تشجيع الاستيطان الذي يؤيده هؤلاء الأصوليون بحماس. وكانت بداية دعم التيارات الدينية تتمثل في تقديم التمويل اللازم للمدارس الدينية التي تديرها التيارات الأصولية، ثم تطور الأمر إلى دعم نشاط هذه التيارات في مجال الاستيطان. وقد أفرزت التيارات الدينية الأصولية حركة «غوش إمونيم» في السبعينات، وهي التي بدأت الاستيطان المنظم وفرضته على الأحزاب والدولة. ومنذ أن برزت (غوش إمونيم) كان آرييل شارون، وحسب الموقع الذي يحتله في السياسة الإسرائيلية (وزير زراعة، أو وزير البنى التحتية، أو زعيم الليكود المعارض) الرجل القائد والموجه والمشجع لعملية الاستيطان، فكان يقدم لهم الأذون الإدارية المطلوبة، وكان يوفر لهم المال اللازم، وكان يرشدهم إلى المواقع الاستراتيجية للاستيطان، داعيا إياهم إلى استيطان التلال والمرتفعات، وأصبح شارون نتيجة لذلك الرجل المحبوب لدى المستوطنين كافة، والرجل الذي يثقون به. ولكن هذه الثقة تتبدل الآن وتتحول إلى عداء، حتى أن بعض المستوطنين يدعو إلى اغتياله، على غرار ما حدث مع إسحق رابين.

كيف بدأ هذا التحول لدى شارون؟ يمكن القول إن الأمر بدأ مع مناحيم بيغن الزعيم الأكبر لليمين الإسرائيلي المعاصر، والذي وصل إلى السلطة بعد الهزة التي عاشتها إسرائيل إثر نتائج حرب العام 1973، والذي توصل مع الرئيس أنور السادات إلى اتفاق كامب ديفيد، وإلى معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، والتي انسحبت إسرائيل بموجبها من سيناء، وقامت بأول إخلاء لمستوطنة إسرائيلية (مستوطنة يميت). كانت نظرية بيغن بين التفاوضية تقوم على بندين:

البند الأول يتعلق بالفلسطينيين، وخلاصته أنه يوافق على حكم ذاتي للسكان وليس للأرض، فالأرض تبقى لإسرائيل.

البند الثاني يتعلق بتطبيق القرار 242، وخلاصته أن هذا القرار ينص على انسحاب إسرائيل إلى حدود آمنة، ويمثل الانسحاب من سيناء التطبيق الإسرائيلي لهذا القرار، وبحسب ذلك تحتفظ إسرائيل بقطاع غزة والضفة الغربية كحدود آمنة لها. وقد بقي هذان البندان ثابتين في السياسة الإسرائيلية، مع اختلاف حولهما في التفاصيل. وقد فشلت بسبب ذلك اتفاقات اوسلو، ومفاوضات كامب ديفيد 2000 مع إيهود باراك، فكان كل زعماء إسرائيل يطالبون بضم جزء كبير من أراضي الضفة الغربية إضافة إلى القدس وغور نهر الأردن، وكان زعماء إسرائيل يطالبون بالسيطرة الأمنية الاستراتيجية على الكيان الفلسطيني الذي سينشأ (الأجواء، والمياه الإقليمية، والمياه الجوفية، وحركة المعابر والتجارة). وحين جاء شارون إلى السلطة وتصادف قدومه مع وصول الرئيس جورج بوش إلى البيت الأبيض، نشأ بينهما تحالف أسفر عن تأييد أميركي (وعد بوش) للمطالب السياسية الاستراتيجية. وحين حصل شارون على هذا الوعد ألغى التفاوض مع الفلسطينيين وحوله إلى إملاءات، وبدأ ببناء الجدار الفاصل ليقرر بنفسه الأرض التي تريد إسرائيل الاستيلاء عليها من الضفة الغربية. وكان مخططه للانسحاب من غزة يستند إلى أمرين: الأول التخلص من غزة ومقاومتها وكثافتها السكانية، والثاني تقديم إغراء للرئيس الأميركي لكي يدعم خطة الاستيلاء الإسرائيلي على الضفة الغربية. وهذا هو بالضبط ما لم يفهمه المستوطنون، الذين يرفضون التخلي عن شيء مقابل الحصول على شيء أكبر في الضفة الغربية.

وإزاء هذه الصورة السياسية المأزومة لدى الفلسطينيين ولدى الإسرائيليين، فإن التشابه بينهما ينتهي عند هذا الحد، أما بعد ذلك فإن الأزمة ستتواصل لدى الفلسطينيين، بينما سيعود شهر العسل بين شارون والمستوطنين إلى حاله. فلسطينيا... وبعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، ستبدأ المعركة الفعلية حول مصير الضفة الغربية: حدود 1967، والقدس، والمياه، والمستوطنات، وعودة اللاجئين، والتي يرفض شارون التفاوض حولها، ويقدم بوش الدعم لشارون بشأنها. وعندها ستتجدد الانتفاضة الفلسطينية، ليس لأن الفلسطينيين يريدون تجديدها، بل لأن شارون مصمم على إغلاق باب التفاوض، وبكل ما يعنيه ذلك من إلغاء فعلي لاتفاق اوسلو، وإلغاء حتى لما يسمى «خارطة الطريق»، إلا إذا كان المقصود هو التمسك اللفظي بها لا غير. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن قادة أجهزة المخابرات الإسرائيلية هم الذين تحدثوا مرارا عن تجدد الانتفاضة، وحددوا مواعيد لها، وألقوا اللوم طبعا باتجاه الفلسطينيين، لكي يخفوا أن هذه المواعيد هي مواعيد إعلان الرفض الإسرائيلي للتفاوض حول الضفة الغربية.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن التوتر السائد الآن بين شارون والمستوطنين بسبب قطاع غزة، مؤهل لأن ينقلب إلى تحالف، حين تبدأ أية مقاومة فلسطينية، شعبية أو مسلحة، للاحتلال الإسرائيلي، أو حين يعلن الفلسطينيون أنهم يرفضون مطالب إسرائيل وخططها.

يوجد نظريا مخرج من هذا المأزق، من خلال تفعيل أميركي لخارطة الطريق، أو من خلال نشاط مكثف تقوم به اللجنة الرباعية الراعية لخارطة الطريق، أو من خلال تفعيل مبادرة السلام العربية (مبادرة الأمير عبد الله ولي عهد السعودية)، ولكن السلبية التي تحيط بهذه المخارج الثلاثة تجعل من التفاؤل بشأنها أمرا غير واقعي. وحين تنسد الطرق أمام الحلول السياسية ينفتح المجال أمام العنف، ولا يجد الشعب المحتل من طريق أمامه سوى طريق المقاومة للاحتلال، مقاومة داوود وجوليات. ولنلاحظ هنا... أن إسرائيل تنظر إلى العنف من منظار آخر، فهي تتحدث عن صواريخ تحيط بإسرائيل، صواريخ في لبنان، وصواريخ في سوريا، وصواريخ في السعودية، وصواريخ في ايران. فهل يعني هذا أنها تفكر بحرب إقليمية؟!