لم تجب الوزيرة رايس عن التساؤلات الفلسطينية حول المعابر والميناء والمطار والممر الآمن بين غزة والضفة في خطة الفصل الشارونية. وكرر وزير الامن الاسرائيلي موفاز التحفظ والامتناع عن تقديم الاجابات المطلوبة فلسطينيا في لقائه يوم امس مع وزير الداخلية الفلسطيني .وقبل ذلك كانت المماطلات الاسرائيلية سيدة الموقف في كافة اللقاءات ، بما في ذلك لقاء قمة عباس شارون التي كانت نتائجها الفاشلة ابلغ دليل على سياسة تغييب الشريك الفلسطيني. الشيء الوحيد الذي كان يروق للمسؤولين الاسرائيليين بحثه والتدقيق فيه هو الاجراءات الامنية الفلسطينية ضد ما يسمونه "الارهاب". وقد بلغ الامر بوزير الخارجية سيلفان شالوم حد التلويح بالقول" أن الرئيس عباس لن يعمر طويلا إذا لم يحارب الارهاب بحزم وقوة . غير ان تغييب الشريك الفلسطيني في ظل الوساطة الاميركية وبحضور الوزيرة رايس يضع النقاط على الحروف ويوضح بشكل لا يحتمل اللبس سياسة الفصل الاسرائيلية في هذه المرحلة . فقد تبخرت الوعود الاميركية حول تحويل فك الارتباط من خطوة أحادية الجانب الى خطوة متفاهم عليها وعلى تفاصيلها بين الجانبين. ولم يبق غير الاستعدادات الفلسطينية من طرف واحد .فقط ما يود الاسرائيليون بحثه مع السلطة الوطنية هو استمرار التهدئة وضمان الانسحاب الهاديء واتخاذ سلسلة من الاجراءات الامنية ضد من يخرقون التهدئة حتى لو جاء الخرق من باب الدفاع عن النفس في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية . بيد ان العنصر الاخطر في السياسة الاسرائيلية الراهنة المسكوت عنها دوليا والمجازة أميركيا هو توسيع وتعميق الاحتلال في الضفة الغربية مقابل الانسحاب من غزة ، وهذا ما اعلن عنه شارون بكل صراحة ووضوح لصحيفة فيغارو الفرنسية وداخل مستعمرة ارئيل شمال الضفة امام جمع من المستوطنين .وتأتي الوقائع التي يتم خلقها على الارض الفلسطينية بمعدلات سريعة وبرعاية حكومية فائقة واستثنائية أهم واكثر خطرا من اعلان شارون السابق ، فجدار الفصل العنصري يبتلع المزيد من الارض ويشرد المزيد من المواطنين ، والبؤر الاستيطانية تتحول الى مستعمرات ، والكتل الاستيطانية تتضخم وتنتشر في عمق الارض الفلسطينية شمالا وجنوبا وفي الوسط والاغوار ، ومدينة القدس العربية تشهد تخريبا منهجيا وتطهيرا عرقيا عنصريا يشكل وصمة عار في جبين العالم الحر والعالم غير الحر على حد سواء .

عندما اعلن سيلفان شالوم قبل عام ان هدف خطة الفصل هو الانسحاب من غزة وضم الضفة الغربية، جوبه بردود فعل دولية عديدة ، فاضطرت الحكومة الاسرائيلية الى نفي ذلك . اما اليوم فها هو رئيس الحكومة يعلن بنفسه وعلى رؤوس الاشهاد وعشية زيارة الوزيرة الاميركية: ان الضفة الغربية هي ارض التوراة ، والتوراة اهم من القانون الدولي والشرعية الدولية. وللاسف لم يتعرض شارون لاية مساءلة او احتجاج او حتى استيضاح، انها سياسة الامر الواقع التي تصنعها غطرسة القوة .

مقابل هذه القراءة المتشائمة للواقع، ثمة قراءة اخرى يقدمها اميركيون رسميون وغير رسميين داخل وخارج الكواليس، ويقدمها ايضا الوزير شيمون بيريس الحائز على جائزة نوبل للسلام . يقول هؤلاء بما معناه دعونا نمرر الانسحاب من غزة أولا لان الانسحاب سيكون صعبا ومؤلما على الاسرائيليين. وبعد سابقة الانسحاب وتفكيك المستعمرات وترحيل المستوطنين بالعافية والاغراءات المالية واذا اقتضى الامر بعراك الايدي ولعبة الديكواندو كأقصى استخدام مفرط للقوة . بعد ذلك سننتقل الى فك ارتباط ثان في الضفة . وإذا أردنا أخذ هذا الكلام على محمل الجد باعتباره تكتيكا سياسيا ، فان هذا التكتيك يفتقد الى كل المقومات والضمانات التي تجعله قابلا للتطبيق ،على الاقل تقديم إعلان دولي صريح بتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع والاحتلال المنصوص عليها في خارطة الطريق من خلال مؤتمر دولي . وإلزام الحكومة الاسرائيلية بوقف كل الاجراءات التي تضر بنتائج مفاوضات الحل الدائم كما هو منصوص عليه في الخارطة وفي اتفاقات اوسلو. وإلزام الحكومة الاسرائيلية بتفكيك البؤر الاستيطانية فورا وبدون تلكؤ، التي سبق وان اعتبرتها غير "شرعية"ووعدت بتفكيكها في تاريخ محدد لكنها تراجعت بفعل التراخي الدولي .وعندما لا تتوفر اي ضمانات من هذا النوع ،وعلى الضد من ذلك ، أي عندما تنتهز حكومة شارون الصمت والجمود الدولي عن نقد ورفض انتهاكاتها الفادحة ،لتضاعف من حجمها كما ونوعا وطولا وعرضا وتحولها الى امر واقع . وعندما يقبل العالم بوجود دولة اسرائيل فوق القانون ، وعندما تتم مكافأة الاحتلال والمحتلين بشكل غير مسبوق في التاريخ ، فان كل حديث عن خطوات لاحقة يبقى بلا معنى. ولمن لا يقتنع بهذا الكلام، ليعد الى الوثيقة الشاملة التي أعدتها وزارة الخارجية الاسرائيلية والتي تحدد اهداف ما بعد الانسحاب من غزة ، وهي دفع العملية السياسية وفقا للتصور الاسرائيلي "الذي حدده شارون سابقا "، وتجنيد اوسع تأييد دولي لإحباط أي محاولة دولية لفرض خطط تتعارض مع خارطة الطريق بالمفهوم الاسرائيلي الذي وضع 14 تعديلا على النص الدولي وحولها الى خارطة اسرائيلية .

وفقا للمعطيات السابقة فقد دخلنا مرحلة الحل الاسرائيلي المفروض من طرف واحد ، هذا الحل الذي يعمق الاحتلال والسيطرة على الشعب الفلسطيني هوحل البنتوستانات والفصل العنصري الذي يؤجج الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هنا وفي عموم المنطقة . ان الحكومة الاسرائيلية تدرك قبل غيرها ان هذا الحل لا تقبل به القيادة الفلسطينية ولا أي طرف فلسطيني له امتداد شعبي ، لذا فانها تحرص على تغييب الشريك الفلسطيني الملتزم بالشرعية الدولية والحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني . فمفاوضة الشريك تتطلب دفع استحقاقات ليست اسرائيل في وارد دفعها ، كان هذا درس كامب ديفيد الذي استخلصه باراك وسلمه وديعة لخلفه شارون ، ومنذ ذلك التاريخ شطب الشريك الفلسطيني ممثلا بالرئيس الراحل ياسر عرفات ، ومنذ انتخاب ابو مازن رئيسا واصلت اسرائيل تشددها ولم تتعاطى معه كشريك خشية من دفع ثمن الشراكة . يقول عكيفا الدار : تخلى المسؤولون في اسرائيل عن أية محاولة لتعزيز الجهات البراغماتية داخل المناطق المحتلة ، وقد اسهموا في إضعاف معسكر أوسلو وتعزيز قوة الجماعات المتطرفة . وقادت هذه السياسة التي حرمت الاتجاه المعتدل من تحقيق اية انجازات الى خيبة امل الجمهور الفلسطيني من معسكر الاعتدال والى تعزيز قوة التيار المتطرف .

وفي ظل هكذا سياسة اسرائيلية عدمية تستبعد شراكة الشرعيةالدولية والفلسطينية على حد سواء برعاية أميركية ووسط صمت دولي ، ماذا ننتظر؟هل نقلب الطاولة مثلا ، اظن ان قلب الطاولة في ظل الشروط الاقليمية والدولية والمحلية هو ضرب من المغامرة التي تعطي شارون فرصة لاستكمال فرض الحل بأريحية كاملة . وفرصة لمواصلة تدمير بنية المجتمع والحركة الوطنية بمختلف تلاوينها . هل نبقى في حالة انتظار ومتابعة وعود اميركية بلا رصيد وشاهد زور على خطوات حل الفصل العنصري . لا شك في ان هذا الخيار هو الوجه الآخر لقلب الطاولة ، لانه سيزيد من حالة الاحباط واليأس والتفكك في صفوف الشعب والحركة الوطنية وسيقود ايضا الى عزلة الشعب عن العالم.

ان المخرج الاسلم يكون بتبني استراتيجيةأخرى ، تنطلق من الشرعية الدولية والمشاريع المنبثقة عنها ، يتوحد على أساسها الشعب الفلسطيني وقواه السياسية الحية ، وتؤسس لاستقطاب اقليمي وعالمي جديد في مواجهة التفرد الاسرائيلي الاميركي الذي لم يحترم الشرعية الدولية ويقدم حلولا عدمية تؤدي الى تأجيج الصراع ومفاقمة وتصعيد العنف. الاستراتيجية الجديدة تغطي المدة المتبقية على إدارة الرئيس بوش الذي وعد باقامة دولة فلسطينية خلالها . وتستند الى اسلوب النضال الجماهيري السلمي الواسع "انتفاضة شعبية منظمة" . وتعيد ترتيب البيت الفلسطيني من خلال الانتخابات ، وتعيد بناء المؤسسات الحكومية والمجتمعية على أسس ديمقراطية جديدة . - (الأيام 26 تموز 2005) -