أخيرا نجح (ع) في احضار أبناء أخيه من جنين الى رام الله، لقضاء نهاية اسبوع واحدة. أمله كان ان يعيد لهم، ولو ليومين، من طعم الطفولة التي دُفنت تحت الجرافات، الدبابات والصواريخ الاسرائيلية.
في يوم الجمعة أخذهم الى قاعة ألعاب في رام الله. لم يبدأوا بعد بالاستمتاع، حين نشب جدال بين احدى الأمهات وبين أحد أصحاب المكان، الأم استنجدت بأحد أقربائها الذي هو عضو في أحد اجهزة الأمن، جاء وقدم مساهمته في هذا الجدال - رصاصات في الجو، من المسدس الذي بحوزته، داخل القاعة المغلقة والمليئة بالاولاد. الاولاد والآباء انبطحوا بفزع ولم يهدأوا حتى بعد ان وصل رجال شرطة مسلحين الى المكان، وبدلا من وقف اطلاق النار، هم ايضا أطلقوا النار.
في نفس الشارع، حوالي كيلومتر الى الشمال من القاعة، تعرض المارة لتبادل اطلاق النار بين مسلحين بملابس مدنية، "يهود"، قال (ط) ابن الخامسة لوالدته، بينما كانوا مختبئين وراء رفوف الدكان.
"لا، هؤلاء منا، يدافعون عن أمننا"، أجابت الأم بسخرية عصية على فهمه.
في الساحة المجاورة وقعت في ظلمة الليل عملية تبادل اطلاق نار بين رجال الأمن الوقائي والشرطة، في أعقاب جدال صغير. فتيات بدأن بالخوف من المرور بساحة المنارة ومركز المدينة: ظاهرة الزعران الصغار الذين يمدون أيديهم، أو في أحسن الحالات، التحرش اللفظي الفاحش بالفتيات، هي ظاهرة متكررة. عندما يكون الزعران ايضا مسلحين، أو اصدقاء لمسلحين، لا نعرف كيف سيردون على رفض الفتاة، أو محاولة الزوج أو الأخ صدهم. في جنين خلص مسلحون أحد المتهمين وهو صديقهم من المحكمة اثناء المحاكمة. آخرون اختطفوا في وضح النهار محامي من نابلس عندما كان جالسا في مطعم في رام الله، احتجزوه نحو ساعتين في حظيرة صغيرة وأبلغوه بأنه متعاون. علاقته بأحدى الدعاوى لم تعجبهم. وهذه قائمة جزئية، لا تشمل غزة. كل المسلحين مرتبطون بهذه الطريقة أو تلك مع فتح، حركة السلطة.
يتنافسون فيما بينهم حول من لديه سلاح مُهدد أكثر، يقتحمون مكاتب السلطة، يشلون عملها ويطلبون رواتب ووظائف أو يحذرون من امكانية الشروع بمحاكمات جنائية ضدهم حول اعمال القتل والجرح أو أخذ الخاوات.
وزير الخارجية الفلسطيني، ناصر القدوة، أعلن انه ما دام الاحتلال مستمرا لا توجد امكانية للحديث عن تجريد التنظيمات من سلاحها. وبذلك يُجامل من ينادون بأسطورة الكفاح المسلح، الذي تم تقديسه كهدف بدلا من التعامل معه كوسيلة. سيستمر الجدال فترة طويلة حول سبب قرار الانفصال: الكفاح المسلح في غزة أو اعتبارات سياسية لاريئيل شارون، الذي رفع أسهم اسرائيل في العالم، وفي نفس الوقت يُمكن من قنص مناطق واسعة اخرى في الضفة، استكمال الانفصال عن غزة وتأجيل الحل النهائي المستند الى قرارات دولية.
لكن الحقيقة هي ان الفلسطينيين لم يطوروا نضال حرب عصابات ناجح في المناطق المحتلة.
أسرى أسطورة "الكفاح المسلح". ويدركون ضعفهم العسكري، توجهوا الى العمليات الانتحارية. لقد أثبتوا بالفعل بأنهم ذوي قدرة احتمالية وصمود رائعين تحت هجمات أحد أقوى الجيوش في العالم.
أحد أبرز مشاكل المقاومة الشعبية في ايلول 2000 هو انها لم تتبلور لاستراتيجية واحدة، منسقة، للتحرر من وطأة السلطة الاجنبية، الاسرائيلية. هل يرمز القدوة الى ان الحكومة التي هو عضو فيها تنوي هذه المرة تطوير استراتيجية تحرير تستند الى السلاح؟ من الواضح ان الجواب لا. لو كانت هناك نية كهذه، أو القدرة على فعل ذلك، لما كان قد أعلن عنها.
انه يكنس تحت البساط عدة حقائق: صعوبة نزع سلاح المسلحين المرتبطين بحركة فتح ورموزها، الامر الذي يُصعب على السلطة امكانية العمل على مصادرة سلاح تنظيمات المعارضة. الجمهور الفلسطيني وتنظيمات المعارضة لن يوافقوا على عمليات مشددة للشرطة الفلسطينية ضد مسلحي حماس والجهاد الاسلامي فقط، بدون ان تكون عملية ضد مسلحي كتائب شهداء الأقصى، الذين ينضم اليهم كل يوم "مطلوبين" و"محاربين" جدد، محميون بهذه الشخصية أو تلك من حركة فتح. القدوة من شأنه ايضا ان يعرف الى أي حد يخاف الجمهور من تدهور الظواهر المذكورة أعلاه، التي ينتمي مسببوها عادة الى فتح. حقيقة: مكتب المحامين، الذي أعلن عن الاضراب، وشبكة المنظمات غير الحكومية تنوي القيام بعدة خطوات احتجاجية.
من شأن القدوة ان يعرف ان تفكيك سلاح رجال فتح هو شرط أساسي أول لاعادة الأمن الداخلي. لكنه ليس الشرط الوحيد - لان رجال اجهزة الأمن، الذين يحملون سلاحا مرخصا، يستعجلون لاستخدامه بدون أية ضرورة وبدون مراعاة المواطنين القريبين وبدون مراعاة مآسي الاحتلال. هم ايضا يجب ان يمروا بسلسلة تربية وتهيئة، كي يفهموا ان وظيفتهم ليست تقليد الجنود الاسرائيليين باظهار العداء وعدم المراعاة تجاه المواطنين.