تناقش اليوم، اللجنتان السياسية والقانونية، في المجلس التشريعي الفلسطيني، قانون السلك الديبلوماسي. وقيل أن اللجنة المركزية لحركة فتح ستنظر في حال اجتماعها بكامل أعضائها، في عمّان أو القاهرة، في عدة موضوعات، من بينها حسم مسألة الخارجية الفلسطينية، أو ـ بالأحري ـ حسم مسألة السلك الديبلوماسي الفلسطيني والسفارات. ولم يتحدد حتي الآن، موعد انعقاد المركزية لكن المتفق عليه، هو أن يكون الانعقاد قبل نهاية هذا الشهر.
وكان المجلس التشريعي الفلسطيني، قد أحال قانون تنظيم عمل السلك الديبلوماسي، الي اللجنتين السياسية والقانونية، لكي تبت فيه مع الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكي تتلافي السلطة، إشكالية عدم اختصاص المجلس، في معالجة قضايا مؤسسات المنظمة. ومثلما اشرنا، فإن اللجنتين، ستعقدان جلستهما الأولي اليوم، في رام الله وغزة، عبر الفيديو كونفرانس . وعلمنا أن الرئيس محمود عباس، كان قبل نحو شهرين، يريد إقراراً سريعاً للقانون، لكي تبدأ عملية التغيير في السلك الديبلوماسي. لكن إقرار القانون، لم يتم حتي الآن، بل لم يتم التوافق علي الخطوط العريضة لحل أزمة السفارات والسفراء، وبالتالي لم يتسن لوزارة الشؤون الخارجية، أن تبدأ الخطوة الأولي، في اتجاه التغيير، ولو بموجب الأسس المتفق عليها، وهي إحالة من جاوزوا السن الي التقاعد، ونقل من جاوزوا مدة تزيد عن أربع سنوات، من أماكن عملهم. فالخطوات تبدأ بإرسال الكتب التي يسمونها الاستمزاج للدول، تتضمن السيرة الشخصية للمرشح، وهذه فقط، تحتاج الي أربعين يوماً علي الأقل. غير أن الترشيحات نفسها لم تجرِ في وزارة الشؤون الخارجية، ولم يتم الاتفاق علي أن تكون الوزارة، معنية بإرسال الرسائل، وبالتالي فإن الأمور تراوح مكانها، وبدا الطريق طويلاً وشائكاً، لإصلاح شبكة السلك الديبلوماسي الفلسطيني، في هذه الظروف العسيرة، التي نحتاج فيها الي تعزيز علاقاتنا مع العالم، والي تحسين صورتنا، والاستفادة من السلك الديبلوماسي!
التعثر في معالجة وضعية السفارات، يتبدي ضمن التعثر العام، علي كل صعيد. فعلي مستوي الأمن، وعلي مستوي الإعلام، وعلي مستوي فتح وعلي مستوي القضاء، وعلي مستوي التوافق السياسي الداخلي، علي أجندة عمل وطنية؛ ما زلنا نراوح في مربع الانتكاس والتجلط، وليس هناك أي نوع من الفعل النوعي، الذي يقتحم الموضوعات بجسارة ويعالجها. وقيل في أوساط الدائرة السياسية، أن الأخ أبو اللطف ما زال يتمسك بالإشراف الإداري والمالي علي السفارات. ونحن هنا، لسنا بصدد الدخول علي خط المساجلة المسموعة والمشهودة، في هذا السياق، وإنما نركز علي ضرورة توحيد مؤسسة الخارجية، علي أسس واقعية، لا تفصل الديبلوماسية الفلسطينية عن إدارتها وعن شؤونها المالية، لأن الوضعية الحالية جعلت من كل سفارة، مركزاً للتفرد الوظيفي والإداري والمالي، بلغ حد أن تطلب بعض السفارات، قروضاً ومساعدات مالية، من الدول التي تستضيفها، ثم ينفرد السفير بالصرف دونما نظام أو رقابة، أو حتي دون علم المركز. وأمامي الآن، أنموذج إحدي السفارات، التي بلغ الاستهتار في إدارتها، قيام معتمد الصندوق، ممن اتهموا بمخالفات فاضحة، بتعيين شقيق له، يدرس في بلد آخر، علي كشف سفارته، وبلغ التجاوز تعيين الأبناء والبنات بوظائف كاملة، وبما يخالف قانون الاستخدام في مكاتب المنظمة، كما بلغ حد إبقاء متوفين الي رحمة الله، علي كشف السفارة، متميزين عن شهداء فلسطين الذين تُحال ملفاتهم الي الشؤون الاجتماعية، مع تعيين مهاجرين الي دول أخري، علي كشف الموظفين برواتب مضاعفة عدة مرات، قياساً علي رواتب العاملين في الوطن، في الجهازين المدني والعسكري، وتعيين ذوي الأسبقيات وترقيتهم، ليصل العدد الي نحو ستين شخصاً، وذلك في إطار وضعية البلهللة، التي تحلل لعديمي الضمير، اغتراف الأموال من المقدرات العامة، لشعب فقير، ولسلطة تواجه في وطنها، إشكالات إجتماعية وحالات بؤس، من فقر وبطالة تعاني منها الكفاءات، ومن بينها الأطباء المتطوعون. واللافت أن هذه الانحرافات تُمارس، بمنطق الترفع علي السلطة، وبذريعة أن المنظمة، هي مرجعية كل من هم في الداخل والخارج، دون أن يُطلب من المنظمة، أن تحترم أبسط قواعد الإدارة، وأن تسعي لتوفير مقدرات مالية تبرر المنحي الإداري القاطع، المتمثل في تقديم كشوف الصندوق الوطني، الي مالية السلطة، التي ليس أمامها سوي أن تلبي الاستحقاقات المالية، علي حساب الشعب الذي يعاني!
إن إصلاح الخارجية الفلسطينية، يتوجب إصلاحاً إدارياً ومالياً في شبكة السلك الديبلوماسي، لوقف الهدر والفضيحة. وما لم يحدث ذلك، بعملية جراحية شفافة وشجاعة، وتستند الي القوانين، فإن المثال الخاطيء سيظل سبباً في استيلاد أمثلة أخري، في شبكة السلك وفي الأمن، وفي الإعلام، وفي القضاء، وعلي كل صعيد. إننا نمر بظروف بالغة الحرج والصعوبة، وبدت ممارسات تدمير مشروعنا الوطني، من داخله، تفعل مفاعيلها بغير كابح. وفي الإطار الأشمل، نقول إن المواليد من الأطفال، في أي بلد، يولدون فيجد كل منهم، أمامه، عقداً اجتماعياً، تقوم عليه السلطة أو الدولة. لكن المواليد الجدد، والكبار، من الفلسطينيين، باتوا في حاجة الي عقد اجتماعي رصين، تقوم عليه السلطة ثم الدولة. أما مجموعة المؤسسات الخاربة، التي تتشكل منها دعائم السيادة الفلسطينية، فإنها لا تمثل عقداً اجتماعياً صالحاً لأن تقوم عليه دولة الأطياف السياسية، ودولة المجتمع، وثمرة الكفاح الوطني الطويل. فإن لم نصلحها سريعاً، سيكون من حق المجتمع، أن يُعيد صياغة الكيانية الفلسطينية، من الألف الي الياء. وسيكون هذا متاحاً للناس، من خلال العملية الديمقراطية. لكن البعض المنحرف، يتصرف بمنطق استثمار حالة الانهيار والفوضي، قبل أن يستتب القانون والأمن، وقبل أن يلوذ بالفرار! - (القدس العربي 19 حزيران 2005) -