أول المطالب الأمن..
المقهوُر العربي يحملُ يافطة الطمأنينة و الاستقرار بفضاء جراحاته المتسعة..و يصيح سرا ًو علانية: أريد أن أشعرَ بالسلام و العدل, كي أحققَ ذاتي بعيداً عن التهديد و الظلم, اتمنى الذهاب إلى عملي و لدي إحساس بالحماية و أن حقوقي مصانة, و أن هناك من يقدر و يحترم جهدي و ما أسكبه من عرق في سبيل لقمة العيش . و يستمر الإنسان العربي في إرسال تمنيات تتصاعد مع زفراته و مثل طيور في سماوات التوق و الحرمان..لا شيء يتغيَّر –جوهريا ومفصليا- منذ أكثر من ألف عام.. كأن قوة الاضطهاد الحاكم تتوارث نفس الكرباج, مع التعديلات الضرورية, و العربي البسيط الكادح يتوراث قصص الفقر و الجوع و المرض و العسف المقيم, فينقلها مشافهة في مرويات و صفحات, و مبالغات تراكمت مضامينها التعويضية بحكم الحاجة و القِدم.
القارىء في التاريخ يقرأ في جرح مفتوح..يتجاهل ألف كتاب من المعيقات و الكوراث و المصائب و المضحكات المبكيات و لكي يحتفظ لنفسه بورقة مشرقة يعلقها على أغصان قلبه, كي يستمر في الحياة و ينتج الأمل-يربيه بلغة درويشنا- متجاهلاً آلامه في مؤقت مُدرك محسوب, مشاركاً علىحسب قدرته في صناعة الرجاء ذاك المرتبط بالتعاطف مع بواسل حقيقيين في ثرى العراق و فلسطين يسعون إلى تحقيق أمنهم الحيوي المتصل بكل أسباب الكرامة و العزة و مقومات التحرر و السيادة و البهاء..
و يظل الأمن المتربط بالنهوض و الإزدهار و الحرية, أول المطالب لمجتمعاتنا العربية, في ظل و مصاحبة سلاسل هذه الأزمات الراهنة المتعددة المجالات و الصفات و الخيبات و الإهانات بوافر نسخها الكئيبة, مع الإحتفاظ بحق البحث عن مساحات البياض الممكن و الفعلي في حالتي النسور العراقية و الفلسطينية و من يناصرهم. كي تنتج قمحاً و طموحات.. لا بد من توفر الاستقرار,كي تبدع , كي تتعلم,كي تلتحق بركب الحضارات..كي تحقق السيادة و تحرر الأوطان, لا بد أن تحصل كمواطن مقهور في بلداننا العربية على حقوقك , فقد طفح الكيل بك, بجراحاتك, و أنت تُدفع إلى آبار التخويف المليئة بطائفة مرعبة من الممنوعات و المحرمات التي لا تتيح الحوار و لا تؤمن بالحراك.
تفكر في مستقبليات الإرتقاء و حاضر الهموم..فيرهبوك و يقمعون..يفرضون عليك طريقة- مجربة في مختبرات الإكراه الصهيوني الإمبريالي- في الإنبطاح و الإنهزامية, و من شعرَ بالوهن و أدركه الضعف المستشري و أحبّ أن "ينهزم" قليلا على طريقته في تهدئة الروح و صرخاتها..لم يُقبل منه و ظل حبيس التجاذبات و التهديدات , معتقلاً في سجون كثيرة, لا تنعدم فيها مواصفات القهر و التعذيب و التنكيل و الملاحقة, كأنه في معتقلات العراق كأبي غريب أو في سجن الغزاة في غوانتنمو ا, أو في سجن صهيوني تمارس فيه أسوأ و أقسى و أبشع أعمال التعذيب السادية.
السياسيون القادة من عرب و من لفّ لفهم, يريدون الأمن كي تقوى شوكة سلطتهم على المعوزين و المهمشين و الخصوم, و ليستمر حكمهم و تحكمهم إلى ما شاء القدير. التجار السماسرة الكبار ينشدون الأمن, كي تكبر تجارتهم وتتضخم رؤوس أموالهم و يتنعموا بمحصول إستغلالهم للضعفاء., مع تقوية جسور التواطؤ مع الغزاة و أجندتهم الحاقدة في الغزو و النهب و سرقة ثروات شعوبنا.. و حماية إسرائيل الإجرامية على كافة الصعد.
رموز الفن الهابط و الفكر الخلاعي والفلسفات العارية إلأ من أوراق التبعية و التذييل و التدجيل, يحرصون أيضا على تأمين الأمن المسترخي, كي يروجوا لسلع الظلام و الإستخذاء و الهروب إلى حضن الغازي المستعمر الجديد و ملحقاته العدوانية.. الحكومات العميلة, كما في العراق و أفغانستان, تنظم حملات تصفية و اغتيالات و جرائم منظمة و اجتياحات وحشية ضد المدنيين العزل و رجال المقاومة و ضد كل من يجرؤ على مناهضة الإحتلال الأمريكي الشرير و فضج مخططاته و أعماله في البطش و الإذلال. إذن, كل له منطلقاته في وجود الأمن, و ما بين أمن الشعوب العربية المظلومة و الأمن المخادع الذي تسعى إليه الإمبريالية و الصهيونية تحضر تعريفات مغايرة و تتباين التوجهات و الأهداف و المصالح.
فلسطين(20/6/2005).