علق ستمئة فلسطيني منذ ثلاثة ايام في المعبر عند المنطقة المصرية. وهم في اوضاع صحية نفسية مزرية بسبب تعنت سلطات الاحتلال التي ترفض السماح لهم بالعودة الى بيوتهم.. هذا هو الخبر. وهو، كما ترون، لا جديد فيه ولا اثارة. فهو يكاد يكون خبر كل يوم. وكالعادة، ما من ردة فعل على هذا الوضع غير الانساني.
ولسوف يعاد انتاج هذا الخبر، بين فترة وفترة، وقد يتضاعف العدد حتى يصبح عدد العالقين الفا او يزيد. وحين يمل الحاكم الصهيوني المتنفذ فانه سيعطي اشارة بسيطة من يده او يرفع حاجبيه - وقد يخفضهما، حسب الحالة - فيأتي الانفراج بعد الكرب، ثم لا تلبث الازمة ان تتجدد. ومع ذلك فانهم يكابرون ويحردون حين يقال انهم اكثر من نظام الابارتهايد طغيانا وجورا وعنصرية، ولن يمل الجنرالات من تأكيد أن جيشهم الذي يرتكب هذه الجحيم هو اكثر جيوش العالم اخلاقا. من جهتنا لن ندخل في سجال مع الجنرالات، ولن نضع تعريفا للاخلاق او للاربارتهايد حتى نقيس عليه طبيعة الاحتلال. ولكننا نكتفي بالقول بلا لف او دوران: ان اي انسحاب من اي نوع هو ضحك على العقول والذقون معا ما لم يشمل المعابر..
ليس معنى هذا اننا نتردد في قبول انسحاب الاحتلال عن اي شبر من ترابنا الوطني. فنحن لم نقدم آلاف القرابين الا لهذا الهدف المقدس. بل اكثر من هذا: لن نتنازل عن حقيقة ان الاحتلال انما ينسحب، مهما كان حجم انسحابه، مدحورا مذعورا من مقاومة شعبنا الباسل الذي انتصر دمه على الدبابة، واشلاؤه على الصواريخ، وعذابه على المعابر.. ولكننا نميز وندعو العالم ان يميز بين ما يسميه الاحتلال انسحابا من طرف واحد، وبين ان يكون الانسحاب ذا مغزى اجرائي يترتب عليه وضع معين على خطوط التماس وضع يسوده الآن ما يسميه السياسيون بالتهدئة..
نحن لا نطلب القمر، كما قال رئيسنا الشهيد، بل الحد الادنى من الحد الادنى لاي حد ادنى يصلح للتعامل البشري. وهو حقنا في ان نغادر بيوتنا ونعود اليها متى ما نريد، من غير ان ينقص احدنا ذراعا او قدما او روحا. ولن يتم هذا الا بالافراج عن المعابر. والكف عن التحكم بالهواء والماء ودقات القلوب. لست فضوليا بما فيه الكفاية لابحث عما قالته وزيرة خارجية امريكا في هذا الصدد. ولكن شعبنا يريد العنب الصريح، وعنب هذا الصيف وكل صيف هو تحرير المعابر، والا فان التخرص بطلب التهدئة من الفلسطينيين مقابل ان يبقي الاحتلال ارواحهم في يد المعبر، هو نوع من الانحياز والابتزاز بامتياز.
والى ان نحصل على العنب سنظل نقاتل الناطور بمختلف الوسائل التي تقرها الشرعية الدولية. فهل هذا كثير؟ وهل اذا اطبق الاحتلال على المعبر يكون احتلالا متمدنا واذا صاح الفلسطيني من الالم يتأكد انه ارهابي؟ من يفهم هذا؟ وكيف؟ والى اين تمضي المعادلة؟..
الحياة الجديدة (21/6/2005)