الشعب الفلسطيني اقل ما يمكن توصيف حاله بأنه شعب منكوب، يعيش سلسلة متلاحقة من النكبات، التي تبدو تجلياتها واضحة وجلية في هذه المرحلة واكثر من اية مرحلة اخرى، وفي جميع المجالات، ويكفي للتدليل على مأساوية الواقع المعاش، الاشارة الى الوضع الاقتصادي المتدهور، حيث بات معظم الفلسطينيين ينضوون تحت خط الفقر، بمعنى اننا نتحدث عن شعب فقير، يكافح من اجل ان يعيش ويستمر ويحافظ على نوعه، في ظل صراع يومي مرير مع اجراءات واوامر ومعوقات احتلالية جعلت حياة الناس حبيسة بين حواجز وجدران، ويفاقم تأثير ذلك ايضا ما يعتري العامل الذاتي لدينا من فساد ومحسوبية وغياب البرامج التنموية قريبة وبعيدة المدى.
وللفقر بالطبع انعكاساته على الصحة والتعليم، الطفولة، الاوضاع النفسية والاجتماعية...الامر الذي يتطلب التعاطي بمسؤولية عالية مع التداعيات والنتائج، ولان انهاءها واستئصالها غير وارد مع استمرار الاحتلال ومخططاته، فاضعف الايمان ان يتم تخفيف المعاناة بالحد من التدهور، وهذا يتطلب مجموعة من الاجراءات على الارض ترجمة لبرامج وتوجهات مدروسة، فالتخفيف من آثار وتبعيات الخراب الذي يحدثه وحش الفقر في مجتمعنا، لا يكون بانتظار مخلص يهبط من السماء، دون حركة فعل ومبادرات وتوظيف امكانات، وفي مقدمة ذلك ايجاد نوع من التكامل بين عمل المؤسسات الحكومية والاهلية، من منطلق ان هذه المؤسسات وجدت لخدمة المواطن والمجتمع، ولكل منها مجالاته واجندته وفلسفته، وهذا يجب ان لا يمنع التنسيق والتعاون بينهما ما دامت الحاجة قائمة والوقائع والمبررات موجودة، وعنوانها الكبير الجامع «شعب فقير»، حيث من المفروض ان لا تقتصر اغاثته على طرف دون آخر.
ينظر اتجاه من الاتجاهات القائمة على المؤسسات الحكومية لعمل المؤسسات الاهلية بشك وريبة، على اعتبار انها تسعى لسحب البساط من تحت اقدام المؤسسات الحكومية وتهميش دورها، تناغماً وانسجاماً مع ما يرسمه الممول، وفي هذا خلط للاوراق، ووضع هذه المؤسسات مجتمعة في سلة واحدة، واخذ النموذج السلبي وتعميمه على مجمل التجربة، صحيح ان هناك مؤسسات اهلية ترفع شعارات مجتمعية خدماتية، لكنها لا تقدم شيئاً سوى الحفاظ على وظائف عدد من المنتفعين، لكن في المقابل لا احد يستطيع ان ينكر حقيقة وجود مؤسسات اهلية فاعلة ورائدة، تقدم خدمات حيوية، وتقوم في بعض المرافق بردم الثغرات والتصدي لقصور المؤسسات الحكومية ذات الاختصاص.
ولو اخذنا الجانب الصحي، فان الاغاثة الطبية بعياداتها وامكاناتها المتطورة، وكذلك لجان العمل الصحي وبعض المؤسسات الصحية الاهلية الاخرى، تشكل نموذجاً في العطاء وتقديم الخدمات والتخفيف على المواطنين، حيث لو تركت الامور لخدمات وزارة الصحة وحدها، لوجدنا انفسنا امام اوضاع خطيرة، لاسيما وانه بات معروفا وبالارقام، تلك النسبة الضئيلة المخصصة للصحة في الميزانية الفلسطينية العامة.
وهناك مؤسسات اخرى اهلية كثيرة يصعب الاتيان على ذكرها جميعها في عجالة تضطلع بدور مجتمعي معهم، كمركز الديمقراطية وحقوق العاملين، والمركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية، وبعض المراكز النسوية والتربوية والتي تعنى بالمعلمين، اضافة الى مؤسسات اسلامية تقدم خدمات اغاثة خصوصاً في قطاع غزة، ولا ننسى المؤسسات التي تتابع قضايا المعتقلين مثل مؤسسات الضمير ومانديلا ونادي الاسير.
وفي المقابل ومع الاقرار بوجود فساد ومحسوبية في العمل المؤسساتي الرسمي، فان التعميم بان كل ما هو رسمي فاسد يقود الى مغالطات، نظراً لوجود الكثير من الكوادر العاملة في هذه المؤسسات، كانت التحقت بها بعد سنوات من العمل النضالي والالتحام بهموم الناس، والحس الجماعي المسؤول ما زال موجوداً لدى نسبة لا يستهان بها منهم، حيث يمكن للمؤسسات الاهلية ذات الحضور والفعل والبرامج المنبثقة من حاجة مجتمعنا الفلسطيني والنابعة من اجندة وطنية وليس من اجندات مستجلية ومستوردة، ان تمد جسوراً من التعاون مع هؤلاء، وبعضهم يتبوأ مواقع مؤثرة في وزارات ومرافق رسمية، على قاعدة خدمة المجتمع ورعايته، وافشال مخططات تركيعه وكسر ارادته عن طريق تجويعه والضغط عليه صحياً، ولكي يثمر التعاون ويعطي نتائج ايجابية، فاننا نحتاج الى تغيير مفاهيم وتصحيح مسار ومراجعة مواقف، اخذين بعين الاعتبار مصلحة شعب يطبق عليه وحش الجوع بفكين فتاكين. ان استمرار الاحتلال وتداعيات ذلك يتطلب تكاملاً بين المؤسسات الحكومية والاهلية وليس صراعاً، وتناغماً على الارض وليس سرقة ادوار او محاربة مبادرات، او تشكيكاً في انتماء، اذ انه ليس من مصلحة الشعب الفلسطيني، ان تحاك مخططات خفية تبرز للعلن احياناً لاعاقة حركة المؤسسات الاهلية، وتضييق مواردها ولجم حركتها الخدماتية، بحجة ان بعضها يلعب دوراً سياسياً، وكأن الذين ينظرون لذلك يعيشون في زمان ومكان غير زماننا ومكاننا وكأن من يقدم خدمة صحية او زراعية يجب ان يفعل ذلك وبشكل ميكانيكي دون ربط الامور ووضعها في سياقها السياسي والاقتصادي. ومعلوم ان من يحاول اعادة الامور سنوات الى الخلف يكون كمن «يناطح» حركة التاريخ، خصوصا بعد ان تبلور اتجاه ثالث على الساحة الفلسطينية، تشكل مؤسسات المجتمع المدني احد اذرعه ومقوماته، وهذه المؤسسات قد دخلت في النسيج المجتمعي. اما المؤسسات الاهلية الشكلية ذات التمويل المشبوه والادوار السياسية المضرة، فهي معروفة للقاصي والداني، والفصل على الارض بين الغث والسمين اصبح واضحاً، وليس بحاجة الى «عبقريات»، وبالتالي فان من يريد ان يراقب ويدقق يستطيع ذلك دون الاساءة الى المؤسسات الفاعلة التي تسابق الزمن في تقديم كل ما هو ايجابي للمجتمع.
واخيراً، ان الجهات العاملة على الساحة الفلسطينية بحاجة لايجاد نوع من الاتفاق حتى لو كان ذلك في نطاق الحد الادنى، وان يتم التعامل وفق مقاييس مرنة، بعيدا عن التصنيفات المطلقة والنعوت الجاهزة، فكم المشاكل والتحديات التي تنتصب امامنا في هذه المرحلة تتطلب عدم التمترس خلف مواقف وراء مسبقة، والاحتكام الى منظار النسبية في رؤية الامور ومحاكمتها في اطار من التعاون والتنسيق، بخاصة وان تكامل الحكومي والاهلي ليس ترفا في هذه المرحلة، وانما تمليه ضرورة ويخضع لاعتبارات اضطرارية، في مجتمع فقير ومنكوب بالاحتلال وتجسيداته، ومنكوب ايضا بمن يترعرعون ويكبرون على الفساد وامتصاص دماء ابناء جادتهم.
جريدة القدس (25/6/2005).