الانفعال الذي رافق تأجيل الاعلان عن تشكيلة الحكومة الجديدة في المجلس التشريعي الفلسطيني في الاسبوع الماضي طمس حقيقة ان النقاش المفترض على هدف هذه الحكومة لم ينعقد بالمرة. لم يوجه أحد انتقادا للطريقة التي تقام فيها الحكومات الفلسطينية منذ عام 1994، حيث تعتبر نفسها "حكومة للدولة القادمة". هذه النظرة ترسخت الى جانب الاعتقاد - الذي يشارك فيه اسرائيليون كثيرون - بأن اتفاقا موقعا غامضا يكفي لتحريك ديناميكية ستنتهي باقامة الدولة بالضرورة. أي الاعتقاد بأن مهمة تحرير الارض التي ستقام عليها الدولة ستستكمل من تلقاء نفسها.

ولكن نظرية عملية اوسلو التي نصت على ان العملية السياسية ستقود بنفسها الى الدولة الفلسطينية العتيدة قد انهارت. سنوات اوسلو برهنت على ان حكومات اسرائيل قد استغلت فترة المفاوضات حتى تعمق الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية. هذا البناء - الذي يتواصل اليوم ايضا - يشكل تآمرا على التسوية السلمية القائمة على الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب اسرائيل.

في سنوات اوسلو كان ياسر عرفات وعرابو الاتفاق متحمسون للتصرف وكأنهم في دولة حقيقية، وليس حتى دولة على الطريق. عرفات أحب تسميته برئيس دولة فلسطين وتمتع في رعاية مظاهر القوة والسلطان التي تتمتع بها الدول الحقيقية. في اطار ميزانية السلطة المحدودة واصل عرفات دفع رواتب بائسة للمسؤولين الضروريين جدا للمستقبل الفلسطيني، خصوصا في مجالي الصحة والتعليم. بذلك تنازل عن الشروط الضرورية في عملية التحرير الوطني: بلورة تكافل اجتماعي ورعاية الاحتياطي البشري الانساني في كل الشرائح الاجتماعية، أساليب الصدقات والإحسان والخاوات والمحسوبيات الفاسدة ترعرعت وازدهرت لان قيادة السلطة تنازلت عن كل محاولة لبناء مجتمع رفاهة (أي العدالة في توزيع المداخيل) وكسب ثقة الجمهور من خلال ذلك.

الدول الاوروبية والولايات المتحدة سارعت هي ايضا لاعتبار "فلسطين" دولة. وفي اطار ذلك لم يعودوا يتعاملون مع اسرائيل على انها دولة "احتلال" تواصل السيطرة على كل الاحتياطي الجغرافي للدولة الفلسطينية العتيدة. مثلما حدث في مؤتمر لندن أمس، واصلوا بذل الجهود للسيطرة على الاخلالات المبكرة والفساد القائمة في الحكم الفلسطيني. مثلما في لندن سمحوا لاسرائيل بأن تواصل اعمالها الفاسدة الغير ديمقراطية الصارخة من نهب لاراضي الشعب الفلسطيني تحت شعار الدولتين لشعبين. تبرعاتهم السخية للسلطة خففت من الأضرار الناجمة عن الاحتلال.

عرفات وكبار المسؤولين معه لم يكونوا مشغولين في تحرير الشعب وانما في كيفية السيطرة عليه. التفكير التحرري يعني ان للشعب الواقع تحت الاحتلال هامش حركة في صراع القوى الدائر الذي يتوجب استغلاله رغم عدم التكافؤ. هو لا يعني "الكفاح المسلح" وليس بالتأكيد عمليات ارهابية في اسرائيل أو منافسة على شاكلة تلك التي كانت تجري بين الفصائل الفلسطينية: من الذي ينتقم أكثر من الآخر. العمليات الانتقامية برهنت عن فشلها الذريع خلال السنوات الاربع الأخيرة. التفكير التحرري ليس تنازلا عن الشفافية وعن تعيين الاشخاص الملائمين في الاماكن الصحيحة. في سياق الاحتلال الاسرائيلي يعني ذلك حشد كل المؤسسات والشعب للعصيان المدني المتواصل. يعني ايضا تحويل الطاقة الإبداعية الموجودة عند الفلسطينيين كأفراد الى طاقة "وطنية" من اجل الكفاح ضد الاحتلال الاسرائيلي.

التفكير التحرري يعني وضع تحديات أمام دول العالم الغربي حتى يتنصلوا من المزيج البغيض الذي صنعته اسرائيل وجمعت فيه بين الاحتلال والاستعمار والتفرقة العنصرية. هذا التنصل سيكون ايضا دعما حقيقيا للسلام ولمستقبل الشعب اليهودي في المنطقة. الفلسطينيون يستطيعون مثلا فرض سلم أولويات جديد في تقاليد التبرعات حتى يتوقفوا عن دعم الاحتلال وترسيخه. العصيان المدني يعني التنازل عن تخصيص التبرعات لبناء البنى التحتية الرديئة - طالما انها تتم في الجيوب الفلسطينية فقط وليس في مناطق (ج) - وتحويلها لرعاية القوى البشرية الانسانية: تحسين اجهزة التعليم والصحة والتركيز الأهم على مخيمات اللاجئين والقرى و"الاستيراد" المؤقت للمعلمين والاطباء الممتازين من الخارج والاستكمال التعليمي للمعلمين والاطباء وفتح صفوف لمحو الأُمية وتمديد اليوم الدراسي.

التفكير التحرري كان سيحول "وزارة الشؤون المدنية" من رمز للتعاون البغيض مع الاحتلال الى جندي طليعي في العصيان المدني الشعبي. الشعب الذي يستطيع أن يتحمل القصف الذي لا يتوقف والنقص المزمن في الغذاء، يمكن ان يجد طرقا لتشويش ثقة الادارة المدنية البيروقراطية بنفسها وتوزيع التصاريح لكل عملية ضرورية اذا برهنت قيادته انها مهتمة بالتحرير وليس بشكليات ومناعم السلطان. الشعب الفلسطيني قادر على تحمل أعباء ومصائب فظيعة جسديا ونفسيا واقتصاديا. وهو بالتأكيد قادر على تحملها اذا تحولت الى وسيلة في اطار عملية استراتيجية منسقة في ظل قيادة تسعى لكسر قواعد اللعبة المزيفة حول السلام والدولة التي وضعت في ايام اوسلو، وها هي تعود الى التلاعب بعقولنا الآن.