ـ الإسلام السياسي
ـ تيار ثالث عروبي، ضد الفساد ومع حق العودة
ـ أم غير الحكوميين الأمريكيين
هي كبرى المنظمات الفلسطينية نعم، وهي من أقدم أو أقدم الحركات المسلحة إذا بدأنا منذ ستينات القرن الماضي. هذا صحيح. لكن تراث النضال لا يعني الكثير للأجيال الجديدة إذا ما شعرت انه تبقرط وأصبح امتيازات لقدامى المناضلين وخاصة إذا كانوا من طرف واحد دون الأخريات. هذا ما أثبتته تجارب الكثير من أمم الثورات التي أنجزت التحرير والاشتراكية، فما بالك بالحالة الفلسطينية التي لم تحقق التحرير بعد؟ لقد شطبت البيروقراطية والفساد تضحيات وبطولات وإنجازات الثوريين في بلدان عدة لتحل محلهم قوى تمالىء الاستعمار وتستدعيه من جديد. كان ذلك لأخطاء الثوريين وكان كذلك لوجود عملاء للغرب من رأسماليين وغير حكوميين وكمبرادور ثقافي وما أشبه.
تعصف بحركة فتح في هذه الأيام عدة تجاذبات وتقلبات وتناقضات أخذت تشغل الناس أكثر وأكثر. فلماذا أولا ولماذا اليوم وإلى أين؟
يرتبط ما يحصل اليوم في صفوف حركة فتح باتفاق أوسلو على الأقل، ولا نود العودة التاريخية إلى الوراء. كان اتفاق أوسلو هو اتفاق بين حركة فتح والكيان الصهيوني. صحيح أن عدة منظمات فلسطينية أخرى وافقت على هذا الاتفاق باعتبارها مجموعات صغيرة تدور في فلك فتح. هذا إضافة إلى ملحق مكون من الكثير من الأفراد ومنظمات ما يسمى بالمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والأكاديميين والمثقفين الذين دعموا هذا الاتفاق بحكم ارتباطهم الأميركي والصهيوني القائم على مستويين هما مستوى التمول السخي أو مستوى الارتباط الثقافي، وكلاهما مترابطان. ولا يقلل من حقيقة خطورة هذا الملحق كونه كان الأكثر انتهازية. فحينما بدت عيوب اتفاق أوسلو للعيان قفز الكثيرون والكثيرات من هؤلاء لينقدوا اتفاق أوسلو كما لو كانوا فريقا من البلاشفة. ونظرا لغياب حركة رفض وغياب قوة ثقافة وتوعية إعلامية غير سلطوية أو ممولة من الغرب أو برجوازية، لم يكن هناك من مجال لكشف انتهازية هؤلاء مما وضع سحابة سوداء على عين المواطن فلم ير عورات هؤلاء التي ليست اقل رداءة من عورة الفساد.
لولا قبول حركة فتح باتفاق أوسلو لما حصل. فهل يُعقل أن تجرؤ مجموعات من المثقفين ومدراء غير الحكومية على استلام السلطة من الاحتلال وأمريكا؟ وكم ثانية كانوا سيبقون؟ لا بل إن الاحتلال والولايات المتحدة ما كانوا ليوكلوا لهم هذه السلطة، بل وحتى اليوم لن يفعلوا ذلك لأن الولايات المتحدة والاحتلال يعرفان إن هؤلاء ما زالوا اضعف من ذلك بما لا يقاس.
كان لا بد من حركة سياسية كبيرة وكبيرة جدا لتحمل هذا العبء. ولأن حركة فتح حملته حصل الاتفاق. ولأن لها شارعها الواسع فقد أصيب الشارع الفلسطيني بالشلل لانقسامه بين أكثرية إلتبس عليها الأمر فأوكلته لموقف "لننتظر ونرى" ووقوف قطاع واسع وراء فتح وقطاع أقل وراء المعارضة التي انتهت للقبول بدل الرفض وإن بدرجات ومستويات.
ولكن كان لا بد من ثمن تأخذه حركة فتح لقاء تمرير الاتفاق. وكان الثمن كل شيء! كان الثمن هو السلطة ومختلف الوظائف من آذن المدرسة حتى رئيس السلطة. لم يبق عضو أو نصير لحركة فتح لم يحصل على وظيفة واحدة على الأقل في حين تصل نسبة البطالة في أوساط مختلف القطاعات الشعبية والطبقية من 30-60 بالمئة. لذلك، لم يحصل على عمل ودخل ثابت وحتى عظيم وخاصة في الانتفاضة الثانية سوى فريقين:
ـ أعضاء حركة فتح (وبعض عناصر التنظيمات الحليفة لها).
ـ وأعضاء المنظمات غير الحكومية بما تحصل عليه من تمويل أجنبي. (طبعا الكل بتمويل أجنبي).
لهذه الأمور كان الفساد الذي أصبح هو النظام الاقتصادي، الاقتصاد السياسي للفساد.
ووضعت الدول المسماة "مانحة" قرابة 7 مليار دولار بأيدي قيادة السلطة ممثلة أساسا في حركة فتح دون أن تسال هذه القيادة عن أية كيفية لصرف الأموال. كان معنى ذلك انه مقابل هذا الاتفاق خذوا هذا "الريع السياسي" لعيونكم. وترتب على هذا فساد غير معهود حيث تجلى في مظاهر عدة. منها منح وظائف لغير ذوي الكفاءات، ومنح صلاحيات استخدمت للكسب غير المشروع، ومنها وجود وظائف لا يصل أصحابها مكان العمل، ومنها أخذ العمولات من العلاقة بشركات الاستيراد وحتى الأشراف على موقف صغير لسيارات الأجرة. وعرفنا بعد عمر طويل الاعطيات للعلاج والزواج والطلاق والسفر والحج...الخ.
النظافة مثالية قديمة!
بين الفساد في السلطة وفساد غير الحكومية وربائب الأجنبي كان الانهيار القيمي. رُفع شعار إن القضية انتهت، وان حق العودة أمر خيالي، وأن علينا التعامل مع واقع لا تغيير فيه هو أن ما "قسمته لنا " أمريكا والصهيونية وإتباعهما من انجليز وفرنسيين وحتى الروس وغيرهم هو أقل من كامل الضفة والقطاع وحسب ، أي لا حق عودة. وأصبح الباب مشرعا لسعادة من يقبل بهذا الواقع المفروض. من هنا اعتقد الكثيرون إن التمسك بالقيم هو من باب المثالية المفرطة. صار دخول التسوية هو "عين العقل" وصار التمول من الأجنبي "شطارة" أو على الأقل قدرة عصرية على هز الأرداف أمام البوهيمي الأميركي فلا بد من ممارسة هز أرداف الرجال تحديداً. في هذا فقط حققنا مساواة الجنسين. وأصبح هز الردفين الحقيقيين أقل خطورة من هز الأرداف السياسية. وأصبح خطاب حق العودة والخطاب القومي اليساري والاشتراكي مجرد لغة بائدة لا معنى لها، وتم استبدال القيم الاشتراكية بقيم البروز الفردي ودفع ثمن لتغيير القيم ونفضها ونكرانها. ولم يعد أحد يسأل نفسه لماذا انقلب هكذا؟ وكيف يُحاسب نفسه ذلك الانتهازي أو المنهار أو الذي اندفع بجنون لينتقم من فقره وجوعه بنهب الشعب؟ وباختصار، أصبح الكثير من المناضلين مجرد لدائن يستخدمها من يدفع أنى شاء وكيفما ارتأى؟
أما كل هذا السقوط والانهيار فمقابل شكليات وديكور الحياة الدنيا، سيولة مالية، سيارات فارهة، رحلات إلى الخارج، فيلل، سائق للزوجة والأولاد...الخ.
انتهى التعاقد
لقد خلقت التسوية وما حملته من إمكانيات الكسب مراكز قوى في السلطة الفلسطينية وبخاصة في حركة فتح. وكان ضبط إيقاع هذا الكم المتنافس والمتضارب ممكنا بوجود السيد ياسر عرفات الذي أجاد خلق المراكز وتكاثرها وضبطها.
وكما كتبنا في هذه النشرة غير مرة، كان الغرب والحكام العرب وخاصة الرئيس المصري وأركان نظامه قد أوضحوا او ألمحوا للسيد عرفات، إن المطلوب هو: "أن تمضي الاتفاق وتمضي من السلطة"، اي ان يمضي الرجل ويمضي. ولأن الرجل لم يمض الاتفاق بغض النظر عن الأسباب كان لا بد من التخلص منه، وقد حصل.
برحيل عرفات انتهت مرحلة، أسميناها حكومة منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة أساسا بحركة فتح بكل تناقضاتها لتأتي بعدها مرحلة أخرى هي مرحلة الحكومة الانتقالية، كتمهيد لاحق لحكومة فلسطينيي أمريكا. وهذا مرهون بالطبع بنجاح الغزو الأميركي للأمة والذي ارتطم بصخرة العراق حتى الآن.
أصبح من مصلحة النظام الحاكم أن يتخذ خطوات وقرارات لتنظيف الوجه. قد تكون منها خطى صادقة وخطى تكتيكية لكسب الأصوات لا سيما بعد رحيل عرفات ومكاسب الإسلاميين في مجالس بلديات قطاع غزة. وأصبح من الشروط الأميركية على النظام أن يقدم ديكوراً ديمقراطياً أميركيا فيه من المهارة ما يقتل الديمقراطية والإصلاح باسم وتحت شعار الإصلاح. ومن هنا تناقض الإصلاح الشعبي كما نادينا به في بيان العشرين والإصلاح الأميركي المخادع والاستشراقي.
في ظل هذه الحكومة الانتقالية لا بد من تغيير الكثير من البُنى التي خلقتها المرحلة السابقة. هناك توجهت لانتزاع الكثير من الامتيازات التي حصلت عليها حركة فتح لمجرد إنها نفذت أوسلو الذي أصبح الآن في درجته الثانية فلا بد من تغيير الوجوه وكتابة تعاقد جديد. وهناك أحاديث عن الشفافية وتقليص الفساد ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب...الخ ومن الواضح ان معظم هذه الاستحقاقات ستكون على حساب كتل ومراكز قوى في فتح. هذا بشكل أساسي ما يكمن وراء الإشكالات التي تتعرض لها حركة فتح. فكل مركز قوة يبحث الآن عن ضمان لنفسه ولمن ورائه. فإذا لم تحصل فتح على أكثرية في المجلس الشريعي، ما السبيل لحماية المكاسب واحتكارها، من سيمول مؤيدي هذا القيادي أو ذاك ؟ من الذي سيحمي موظفين كثيرين جرى تعيينهم بواسطة هذا الزعيم او ذاك ؟ من سيوقف إحالة جماعة فلان على التقاعد نتيجة تجاوز السن أو بسبب فشلهم حتى لو لم يبلغوا السن؟ لا شك بالطبع إن سلطة عباس لن تصل إلى مستوى من المحاسبة من طراز: "من أين لك هذا"؟
هناك قلق في حركة فتح بمعنى عدم اليقين بأنها ستبقى حزب يملك مجتمع واقتصاد بأكملهما. حزب يعين ويوظف ويتواسط...الخ دون رقيب او منافس أو معارض. وأبعد من هذا فقد كشفت الانتخابات البلدية في قطاع غزة عن تراجع في شعبية حركة فتح. وليس شرطا أن يكون هذا التراجع لصالح حماس بسبب صواريخ القسام. بل لعل السبب الأساس هو رفض الشارع للفساد الذي تفاقم في ظل هذه السلطة.
ما تأثير هذا على حركة فتح من داخلها؟
هناك شعور بأن العودة لاحتكار كامل للسلطة لم يعد وارداً، ولذا هناك قلق من كوادر فتح عليها كحركة، وهناك قلق داخل كل مركز قوى على امتيازاته عندما تتفكك قبضة فتح قليلا أو كثيرا. من هنا يحاول كل مركز قوة تمكين نفسه لمواجهة المرحلة المقبلة بأية وسيلة ممكنة.
لا مجال لانقلاب عسكري؟
ليست الأراضي المحتلة منطقة مستقلة. فهي خاضعة للاحتلال من جهة ويتم تركيب وترتيب البنية السياسية الحاكمية فيها بإشراف الامبريالية الأميركية. وطالما هي على هذا الحال، فليس بوسع جنرال فلسطيني القيام بانقلاب عسكري وفرط البرلمان واستلام السلطة، إلا إذا كان هذا الخيار الوحيد الذي تريده أمريكا في حالة سيطرة واسعة للإسلام السياسي. لو كان الانقلاب ممكنا، لكانت المشاكل داخل حركة فتح حتى بغياب ياسر عرفات أقل بكثير. فبوسع زمرة عسكرية اغتصاب السلطة وطرد البرلمان أو حتى منع إجراء انتخابات.
لو كان يعرف عرفات انه سيرحل بهذه السرعة لأجرى الانتخابات قبل وفاته ولحققت فتح من ذلك نتائج أفضل بكثير مما هو متوقع هذه الأيام.
ورغم تاريخها الطويل البغيض في دعم وزرع الديكتاتورات، فإن الولايات المتحدة لن تتمكن بسهولة من دعم إنقلاب عسكري في السلطة الفلسطينية إلا إذا كانت الغلبة الواسعة للإسلام السياسي كما فعلت فرنسا "الديمقراطية" العريقة ومعها الغرب بأجمعه وكثيرون من المثقفين العرب ومنهم هنا في هذه الأرض المحتلة. يبدو ان تكرار جريمة بنفس المعايير أمر ليس من السهولة بمكان. لا بد لهذا الغرب الذي يمارس أكذوبة الديمقراطية بأن يسمح لها بحصول ما في أراضي المحتلة. وهذا ما يرغم مراكز القوى في فتح على الذهاب باتجاه طريق الانتخابات مع ممارسة أكثر محاولات الالتفاف الممكنة. أما إذا كانت النتائج إسلامية بشكل واسع، فسيكون الانقلاب الفاشي الأميركي ضروريا. سيكون مطلوب بينوشيه ضد الإسلام السياسي هذه المرة وليس ضد الاشتراكية.
من المستفيد؟
منذ مؤتمر مدريد المشؤوم واتفاق أوسلو والحديث يدور حول خلق تيار ثالث في الأراضي المحتلة. هذا المولود الفقيد الذي أسماه أهله أسماء عدة بتعدد من يزعمون الانتماء إليه. لكنه لم يلد. اسماه البعض التيار الثالث وآخرون التيار الديمقراطي وآخرون التيار الوطني الديمقراطي وغيرهم التيار اليساري...الخ.
ولأن هذا لم يتبلور رغم وجود الكثير ممن قد يُحسبون عليه، بقي كامناً ولم يُحسم بعد فيما إذا كان سيثمر مولوداً طبيعياً أو ذميماً أي "دُمّلاً". لأن تياراً يتكون من يساريين وقوميين شرفاء ولكنهم مبعثرين لم يتبقى منهم سوى النوايا الحسنة والحزن على الماضي وبقايا يسار يخجل من حمل الاسم بل يهمس به في الغرف الموصدة، وشلل يسار مرتدة بقدر كبير من الحقد ومن منظمات غير حكومية تتلقى من الأجنبي عشرات ملايين الدولارات أي متأمركة وفي النهاية متصهينة، وأكاديميين يشعرون بأنهم نخبة حُرمت من المجد بسبب وجود أصحاب البندقية والاستشهاديين فقررت التحول الى منظمات غير حكومية تبيع نفسها للنظام الأميركي وتبايعه على الوطن والأمة، ومثقفين في خدمة الآخر أي متصهينين.
باختصار، إن مثل هذا التيار هو مثل خليط من الناس التقت في جنازة لا يجمعهم سوى حالة موت أتى كل واحد منهم لسبب مختلف عن الآخر، وبعد الجنازة لا يعود بينهم أي رابط سوى أنهم التقوا حول حالة موت، وليست حالة انبعاث.
بهذا المعنى، قد تكون حركة حماس هي المستفيد الأساسي من تدهور حركة فتح. ويبدو أن هذا قرار المرحلة. وعليه، لا يمكن استثمار هذه المرحلة من قبل قوة أخرى غير حماس إلا إذا توفر فريق من المرشحين للبلديات والمجلس التشريعي يضم نساء ورجالا ذوي ملف نظيف وطنيا وسلوكيا وفكريا بحيث يفرضون أنفسهم بقوة وبحيث لا يجد من ينافسهم أية مماسك تذكر ضدهم. بهذا يمكن تطوير فريق معارضة ثوري وحقيقي ليشغل حيز التيار العروبي الاشتراكي.
إذا لم يتبلور هذا، وإلى أن يتبلور هذا، هناك مستفيد آخر قد يستغل المرحلة وهي مسودات ما تسمى بالقوى الديمقراطية. هي الحالات المشوهة من أصحاب الملايين غير الحكومية الذين سوف يشترون ضعاف النفوس والقيم. وسيزعم هؤلاء بأنهم ديمقراطيون. ولكنهم يمارسون الفساد منذ سنين حيث يبرطعون بتمويل الأجنبي، ويقبضون هذه الاموال لأنهم ضد حق العودة. وهو أمر لم يعلنوه لأسباب تكتيكية وتخويفية، ولكن عندما تتوفر الحماية الأميركية سيعلنوا ذلك حيث جرى ادخارهم لأجل ذلك اليوم.
يبقى السؤال انه إذا ما تبلورت تلك الكتلة القومية العروبية اليسارية هل ستتحالف مع حماس لمقارعة الفساد في السلطة وفي غير الحكومية وللدفاع عن حق العودة الذي جرت بلورة وتسمين غير الحكومية من أجل شطبه؟ هذا سؤال برسم الإجابة ووعي المرحلة. -(الحقائق 18/3/2005)-