يعتقد علماء التاريخ أن لنظرية القوة السافرة الكاسحة حدوداً لا تستطيع أن تتخطاها، وقد تجلت هذه الحقيقة في كامل التاريخ البشري المعروف منذ انهيار الممالك الفرعونية واليونانية.. مروراً بالامبراطوريتين الرومانية والفارسية.. وحتى انهيار عنفوان التتار وهمجيتهم، وما حدث في الحروب العالمية السابقة شواهد ومشاهد تؤكد أن التاريخ يجري وفق أنساق ونواميس سابقة على مخططات البشر وأمانيهم. فالتاريخ يشهد على تلك الوقائع بعدسات كوموتراجيدية.. ويقدم الحالة بطريقة ملهاوية تثبت ذكاء التاريخ وغباء الإنسان المستأنس بنظرية القوة المجردة.

ومن المؤسف حقاً أن الذاكرة الإنسانية لا تعيد مراجعة ماكان، ولا تأخذ العبرة والعظة من تلك الأيام الخوالي العامرة بتراجيديا السقوط الكبير للكبار، بل يعيد السياسيون تدوير عجلة المتاهات والجنون تمهيداً لحتفهم وذهاباً إلى مصيرهم الأسود، ودونما عبرة أو رؤية تعيدهم إلى دائرة الصواب.

كان الفيلسوف الألماني (نيتشه) أكثر الذين لاحظوا نواميس القوة في التاريخ.. لقد أبرز لسانه ساخراً من أصحاب القوة، وكذلك الطوباويين الحالمين بالمجتمع الفاضل. مقرراً أن القوة ستظل الحقيقة الدامغة التي تؤكد سرمدية الوحشية وبقاءها طالما ظل الإنسان على وجه الأرض!

“نيتشه” يقدس القوة ويعتبرها المدخل للنماء، كأنه يعيد إنتاج (دارون) ونظريته في الانتخاب الطبيعي، أو كأنه يراهن على فشل المثاليات والروحانيات، وهو ما أوصله إلى تخوم الجحود والنكران الإلحادي.

على ذات المنوال وقف عالم التاريخ الفرنسي (جوستاف لوبون) أمام ظاهرة العنف في التاريخ وحمّل النخب مسؤولية استثنائية في إشاعة نظريات القوة. فيما اعتبر الجماهير كائناً ديناصورياً يُساق كالنعاج ويخضع لشرور النخب إن كانوا شريرين أو لخيرهم إن كانوا خيرين!!. نظرية النخبة عن (لوبون) تعيد إلى الأذهان ذات الفكرة التي تبناها (أفلاطون) ضمن مشروع جمهوريته (الطبقية) الفاضلة التي كانت تجيز العبودية، وتوزع المجتمع إلى حكماء ومستخدمين.. أحرار وعبيد، فإذا بالفضيلة رديفة الإلغاء والزعم بأن الناس يتوزعون إلى حكماء وبلداء، وبغض النظر عن مقاربات العلماء والفلاسفة فإن شواهد التاريخ القريب تؤكد لنا مجدداً أن الذاكرة المحلية للسياسة العالمية ما زالت تعيش وهم القوة وخيارالحروب سواء كانت باردة أو ساخنة، فالولايات المتحدة تشن حرباً عالمية جديدة ضد (الإرهاب)، وروسيا تتأهب لتدوير ترسانة الدمار والرعب النووي، والصين تلوّح بالقوة الكاسحة إذا ما شعرت بأن خدشاً أصاب وحدتها الوطنية وتوازنها الداخلي.

ألا تعكس كل هذه الحقائق امراً جوهرياً يعيدنا إلى مربع الطمأنينة المزيفة لأنصار القوة الغالبة؟

يعتقد الذين تمرّغوا في أحضان النتائج الدافئة للحروب المستمرة أنهم سيظلون في حالة ظفر وانتصار دائمين.. غير أن التاريخ سيقلب لهم ظهر المجن من حيث يدرون أو لا يدرون.. كما حدث مع الذين من قبلهم ممن كانوا أشد بأساً وقوة. - (التجديد العربي 18/3/2005) -