يؤيد الرئيس الأمريكي جورج بوش فكرة الحل المرحلي الذي يتبناها أرئيل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي، بينما يؤيد السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية وآخرون على رأس سلم القرار الفلسطيني حلاً دائماً للصراع، وبين الموقفين السياسيين المتناقضين تكمن جملة من الأسباب الجوهرية، تجعل كل طرف من طرفي الصراع يفتش عن مصلحته الاستراتيجية وفق تقديره، وبالتالي عليه أن يحدد مساره التكتيكي التفاوضي الذي سيسير عليه، فأين مصلحة شارون في الحل المرحلي، وأين مصلحة عباس في الحل الدائم؟.
أولاً: من الواضح أن إسرائيل ـ لاسيما بعد نجاح فكرة فك الارتباط عن غزة كما تسمى في إسرائيل ـ في وضع تفاوضي مريح، فإسرائيل هي التي بادرت بالخطوة الأولى من سلسلة خطوات سياسية مدروسة، وستسعى إسرائيل إلى تطبيقها من جانب واحد، ربما ستكشف عنها الأيام التالية للانسحاب، وستجد إسرائيل بشكل آلي من يلتزم بها من العرب، مثلما وجدت من يلتزم بخطة فك الارتباط عن غزة، إن نجاح خطة غزة أولاً ستعطي لإسرائيل الفرصة للتحرر من تقييد القوة، وبالتالي ستتجه إسرائيل بكل طاقتها المالية والعسكرية والإدارية والإعلامية إلى توسيع السيطرة الاستيطانية على الضفة الغربية، وتضييق الحال والمعيشة، والحركة على سكانها الفلسطينيين، لاسيما أن الوشائج الدينية بين اليهودي والضفة أكثر منها من غزة، لذا لا مصلحة لإسرائيل في هذه المرحلة السياسية التي لا تتعرض فيها لضغط خارجي، أو عمل عسكري داخلي للوصول إلى حل نهائي في الضفة الغربية، بمعنى آخر؛ أمام إسرائيل مزيد من الوقت لترتيب كثير من الأوراق في الضفة الغربية قبل أن تعلن عن استعدادها لتسوية نهائية مع المستجدات، فإسرائيل في موقع يساعدها على فرض الحل النهائي كيفما تراه هي، وهي ليست في عجلة من أمرها لاسيما أنها تمتلك كل أوراق الزمن الراهن.
قد تقدم إسرائيل مئة ذريعة لعدم موافقتها على التسوية النهائية، ولكنها لن تفصح عن نواياها الحقيقية التي بدأت مع الإعلان عن بناء 3650 وحدة سكنية في مستوطنه (ألون موريه) في الضفة الغربية، مع التقدير أن حكومة إسرائيل ستصدر عشرات القرارات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي ستؤثر بالسلب على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتدفعهم إلى الرحيل عن الأرض.
ضمن ما سبق من تفكير، يبدو الإلحاح الإسرائيلي على تجريد سلاح المقاومة متمماً لما تخبئه إسرائيل من نوايا، ومنسجماً مع الأهداف الاستراتيجية العليا لدولة إسرائيل.
ثانياً: قد تكون القيادة الفلسطينية في بحثها عن حل نهائي للصراع تدرك المتغيرات العربية والدولية التي تتطور سريعاً لصالح إسرائيل، وعليه فهي تلهث للوصول إلى حل دائم سريع يحفظ ما تبقى من الأرض ـ بما في ذلك العودة إلى مشروع الرئيس ألأمريكي الأسبق بيل كلنتون ـ كي لا يفيق الفلسطيني ذات يوم ويجد نفسه معزولاً في تجمعات سكانية سياسية وجغرافية أضيق مما هي عليه اليوم، بالتالي فإن المسعى الفلسطيني للربط بين الانسحاب من غزة ـ كما يسميه الفلسطينيون ـ وخارطة الطريق السيئة المحتوى، فيه من الحكمة ما يدلل على القراءة السياسية السليمة للواقع الراهن.
ولكن رغم وجاهة ما سبق من تحليل إلا أنه يخطئ في افتراض تحقيق بعض العدل الممكن في الحلول الدائمة مع إسرائيل، وبالتالي تحقيق بعض الاستقرار والأمن للفلسطينيين، دون الانتباه إلى أن مجرد طلب الحلول الدائمة مع إسرائيل فيه طمأنة لها على مستقبلها، وتشجيع لها على سلامة مساراتها التفاوضية، وتتركها مطلقة اليدين في حاضرها، وتؤمن لها صك الغفران الذي يشجعها على التطهر من وخز عذاب تهجير ملايين اللاجئين الفلسطينيين، في نفس الوقت الذي تهدم المستقبل في قلوب الأجيال.
إن المطلوب من القيادة الفلسطينية كخطوة أولى احترازية أمام التعنت، والتريث الإسرائيلي؛ عدم طرح فكرة الحلول الدائمة، وترك هذا الأمر للأجيال، وتركه أمنية إسرائيلية يستحيل تحقيقها، مع عدم التسليم بسلاح المقاومة الذي يشكل أداة الضغط الوحيدة على إسرائيل في المستقبل، وعدم إعطاء المبررات الميدانية لإسرائيل من خلال الممارسات السلبية لبعض المسئولين التي تضعف روح الانتماء والولاء للوطن، وما عدا ذلك فهو تسليم مسبق بما ستقرره إسرائيل من طرف واحد للحل النهائي في المراحل القادمة.
يؤكد ما ذهبنا إليه من رأي تأييد الرئيس الأمريكي جورج بوش لموقف أرئيل شارون، وهو ما يوحي بأن في جعبته السياسية الأمريكية الشيء الكثير الذي ما زالت تحضره لمنطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فالمنطقة بحاجة إلى إعادة ترتيب من جديد تكون فيه إسرائيل جزءً مركزياً وحيوياً، لذا فإن التريث في فرض الحل النهائي ينسجم مع الرؤية الأمريكية، وأي حل نهائي للنزاع في الزمن الراهن، ـ كما تسميه أمريكا وإسرائيل ـ وقبل الترتيب الاستراتيجي للمنطقة بشكل نهائي، سيفتح بوابة العلاقات الطبيعية بين إسرائيل والدول العربية المتحرقة لذلك، ويبدو هذا ما لا يرغب فيه بوش في المرحلة الراهنة، ما دامت السياسة الأمريكية قد أخذت تميل إلى تحقيق مزيد من الضغط والتفجير، والترتيب داخل الدول العربية بما يخدم السياسة الأمريكية لعشرات السنوات القادمة، وذلك لئلا تستخدم العلاقة مع إسرائيل ورقة ضاغطة لصالح الأنظمة، وفي نفس الوقت لتسهيل خطوات إسرائيل العملية في ترتيب الأوضاع الداخلية دون قيود والتزام، أي أن المشترك الأمريكي والإسرائيلي يقوم على مزيد من الترتيب في الوصول إلى حل دائم، وتحضير المنطقة وفق مصالح الطرفين.
كل ما سبق قد يكون استراتيجية عمل إسرائيلي وأمريكي على الورق، ويحقق النجاح لو اسقط من الاعتبار المتغيرات التي تميزت بها منطقة الشرق الأوسط، وألغى قدرات الشعوب الكامنة، وعلى سبيل المثال عندما تفجرت انتفاضة الأقصى لم يخطر في بال أحد أن حماس وغيرها من أجنحة المقاومة قادرة في زمن بسيط على تطوير قدرة قذائف بدائية تؤرق جبروت إسرائيل التي لا تقهر، وبالتالي إحداث التباين في المعادلة التي قامت على التفوق المطلق، وما نجم عن ذلك من نتائج، كان أهمها القرار الإسرائيلي بالانسحاب من غزة.
فإذا اصطدم التفكير باختلاف التقدير، تاه التدبير، وانقلب الأمر من الترتيب إلى التدمير، وهذا ما حصل في العراق، حيث تباين التخطيط على الورق عنه على الأرض، وتحول العراق من مصدر للنفظ إلى مصدر للموت، وهو ما يجب أن تراهن عليه القيادة الفلسطينية في المرحلة القادمة، وبالتالي عدم البحث عن حل دائم، والاكتفاء في هذه المرحلة بالحلول المرحلية التي تؤمن للفصائل المقاومة تعزيز قدراتها، والاستعداد لمرحلة مواجهة لا يمكن تفاديها، وعليه فإن التنازل عن الثوابت الفلسطينية التي يقف على رأسها قضية اللاجئين، لا تخدم القضية التي تدق على باب كل إسرائيلي في الصباح مع بائع الحليب، وتذكره بأن إقامته في هذا البيت ستظل غير آمنة ما لم تحل قضية ملايين اللاجئين الفلسطينيين.