e
كان عدد المحاضرين اكثر قليلاً من عدد الحضور في ندوة "المقاومة والعولمة" التي أقامها اتحاد الأدباء والكتّاب العرب في عمان خلال تموز الماضي. أثار فضولي هذا المشهد السريالي الذي انحدرت فيه نسبة الحضور بمرور الوقت. فسألت أحد الكتّاب المضيفين: لماذا يتلاشى الحضور تقريباً وتغيب الاسماء المهمة، وتقدم المواد الضعيفة والعمومية ويضمحل الحوار؟ قال الكاتب المثقف: عندما تكون الاتحادات على صورة أنظمتها فمن الطبيعي ان لا نجد المثقفين المرموقين ولا نسمع الافكار النقدية الجادة، ومن المنطقي ان تتخلف النخب عن المجيء لسماع ذات الخطاب الممجوج. عندئذٍ أيقنت ان فصل اتحادنا عن اتحاد الكتّاب العرب لا يشكل خسارة. وسرعان ما أيقنت أن اجراء الفصل ليس له علاقة بالديمقراطية والانتخابات والأداء المهني، وانما ارتبط بخلافات سياسية بين سلطتنا وبعض الانظمة ذات النفوذ داخل الاتحاد. وتذكرت لماذا تحتل الدول العربية أسفل درجات السلم العالمي في حقول المعرفة والثقافة والبحث العلمي، 8ر0% ويكفي القول ان اسرائيل تنفق على البحث العلمي عشرة اضعاف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة.
يوم 5/5 انتابني احساس مرير بأننا نسير على خطى اتحاد الكتّاب العرب. فقد استعاد مؤتمرنا العتيد عضويته في الاتحاد الكبير. وأعاد الحياة لاتحاد كان في حالة غيبوبة على امتداد عقد ونيف. أصبح الآن عندنا أمانة منتخبة واتحاد شرعي. ولكن في حقيقة الأمر فإن ما حدث لا يعني الكثير حتى في حالة افتراض ان اختيار عضوية المؤتمر تمت بنزاهة وشفافية كاملتين. فالحل الحقيقي للأزمة لا يتأتى بمجرد انتخاب امانة واستعادة شرعية، وبمعزل عن بنية الاتحاد ودوره ووظيفته في ظل المتغيرات والتحولات العاصفة. والدليل على ذلك ان نقابة الصحافيين أوجدت لنفسها شرعية بالانتخاب ولديها هيئة ادارية ولها علاقات خارجية، وتقدم نفسها باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للاعلاميين، لكنها في واقع الحال منفصلة عن الجسم الاعلامي المنتج والفاعل في البلد. ووجودها "الشرعي" بهذه المواصفات اكثر ضرراً من غيابها. نفس الشيء ينطبق على اتحادات ونقابات، وبعض الفصائل تملك الادوات "والشرعية" لكنها جزء من الأزمة.
كشف مؤتمر 5/5 اختلاف المعايير في التقييم والتوجهات والحلول. فقد جاء من يطرح شيئاً شبيهاً "بالحزب الحاكم" الخاص بالكتاب وباستخدام الممثل الشرعي الوحيد للكتاب، في زمن ولحظة يشهد فيها المجتمع الفلسطيني حراكاً سياسياً واجتماعياً غير مسبوق، حراكاً يحقق مستوى ملموساً من تبادل السلطة المحلية ويجسد التعددية السياسية. خلافاً لذلك اكدت نتائج مؤتمر اتحاد الكتّاب في الضفة والقطاع على طمس التعددية، من خلال استبعاد واهمال رموز ثقافية لها دور حيوي في انتاج الثقافة وفي الابداع. لقد وضع الكتاب امام خيارات حادة، خيار قبول مفهوم ما والانخراط في الاتحاد على أساسه، او رفض ذلك المفهوم والخروج من الاتحاد. وخيار قبول هذا المفهوم والحصول على العضوية بشكل تلقائي بمعزل عن الشروط التي وضعها النظام الداخلي ومقترحات لجنة العضوية او خيار رفض هذا المفهوم وخسارة العضوية استناداً للنظام الداخلي ومقترحات لجنة العضوية. وبناءً عليه، فإن العضوية المسجلة تنخفض من 350 عضواً الى 239 عضواً، وقد ترتفع وفقاً للاحتياجات. ووضع الكتاب ايضاً أمام خيار الالتزام بقرارات اللجنة التحضيرية وخيار الالتزام بمقررات المجلس الاستشاري حديث التشكيل.
كان الأمل يحدو الكثيرين في تحويل المؤتمر الى مناسبة لطرح الاسئلة، سؤال حول اخفاء وطمس دور الفرد واستبداله بالجماعة. وسؤال طمس الانساني لمصلحة الوطني. واحتواء السياسة للثقافة. وكان يمكن للمؤتمر تدشين التصادم مع الثقافة التي تعطي اولوية التكفير على الاقناع والماضي على الحاضر والمستقبل، والترويع على الحوار، والشكل على المضمون، والتصادم مع الثقافة التي تغيب العقل والنقد والمقارنة، كما يقول الناقد فيصل درّاج.
الثقافة ليست مجموعة من الانجازات المنفصلة عن الواقع، وعن رفض كل ما يحاصر الفكر ويحد من الحرية. انها تمرد على العجز والتخلف، ونقد جريء لاوجه السلب في السلطة والمجتمع وخوض دائم في مغامرة البحث عن الجديد. انها الرافعة الكبرى لمرحلة التحرر والمقاومة، والبناء والديمقراطية والمواطنة. لهذه الاسباب ثمة فرق بين مؤسسة تتعامل كرافعة للنضالات المختلفة ولا تخضع للافراد وبين مؤسسة يتحكم فيها افراد.
بقي القول، ان احد انجازات الحداثة هو المساواة بين الرجل والمرأة. وتجاوز الثقافة والتقاليد المنحازة ضد المرأة. الا ان مؤتمر اتحاد الكتّاب انتخب امرأة واحدة من بين 17 عضواً، علماً ان المجالس المحلية وضعت نسبة مقاعد لا تقل عن 20%، فإلى جانب غياب رموز الثقافة من الكتّاب والمبدعين تغيب أيضاً المرأة من بين هذه الرموز، ومن الحضور في عضوية الامانة، عاشت سلطة الكتّاب الجديدة. - (الأيام 10 آيار 2005) -