قبل اربعة اشهر تم انتخابي رئيسا للسلطة الفلسطينية . وقد القت عملية انتخابي على عاتقي مسؤولية كبيرة ، لكنها جعلتني اشعر بالفخر، لا بنفسي ، بل بالشعب الفلسطيني .

فبالرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها شعبي تحت الاحتلال العسكري الاسرائيلي من وجود مكثف للجنود والمستوطنين المسلحين والحواجز العسكرية والمحنة الاقتصادية الشديدة ، الا ان الرجال والنساء في فلسطين صوتوا بقوة من اجل الديمقراطية.

ومثل اي قائد منتخب ديمقراطيا ، استجبت لاحتياجات الشعب ، حيث بادرت حكومتي الى تنفيذ اصلاحات جدية في مؤسساتنا الحاكمة واقتصادنا وقواتنا الوطنية .

كما اهتممنا بنداء الشعب المطالب بالشفافية والمحاسبية ، وعملنا بجد للابقاء والمحافظة على هدنة مع اسرائيل وانطلقنا في عملية بناء شعبنا المنهك من الهجمات التي تعرض لها.

وبالرغم من ايماني العميق بالشعب الفلسطيني وبديمقراطيتنا ، الا انني ادرك ايضا بان الديمقراطية بدون الحرية لا معنى لها في النهاية ، فالديمقراطية المحتلة لا تعبر الا عن تناقض بين اللفظين .

اني اشارك الرئيس بوش رغبته في رؤية الديمقراطية والحرية تعمان وتنتشران في منطقة الشرق الاوسط ، واتقدم بالشكر له ولادارته على لكل ما فعلوه من اجل تشجيع الديمقراطية الفلسطينية.

وبالنيابة عن شعبي ، ادعوه لمساعدتنا في الحوار مع اسرائيل من اجل تحقيق حلمنا بالحرية.

لقد دعم الرئيس بوش سعينا نحو الحرية حيث صرح بشكل واضح عن رؤياه على حل الدولتين لانهاء النزاع في الشرق الاوسط .

وهي رؤية اشاركه ، والغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني فيها ، تلك الرؤية التي مهدت لي لترشيح نفسي لمنصب الرئاسة وانا اقف على قاعدتها تطالب بانهاء العنف والعودة الى الحوار مع اسرائيل ، تلك الرؤية التي تعرض الامل من اجل السلام والحياة الطبيعية للشعبين الفلسطيني والاسرائيلي .

الا انها ومع ذلك رؤية تتعرض للهجوم. ففي كل يوم تتخذ اسرائيل خطوات من شأنها تقويض رؤية بوش وتجعل من حل الدولتين لانهاء النزاع الاسرائيلي -الفلسطيني امرا مستحيلا.

فاعمال البناء الاستيطانية التي تنفذها اسرائيل في الضفة الغربية والجدار الماكر الغادر الذي لم تبنه على حدود 1967، يخنقان المدن والبلدات الفلسطينية ، اضافة الى محاولاتها غير القانونية لفصل القدس الشرقية عن بقية اراضي الضفة الغربية. ان تلك المحاولات التي اذا سمح لها بالاستمرار فانها ستجعل من حل الدولتين لنزاعنا امرا مستحيلا .

واذا مات حل الدولتين ، فان ديمقراطيتنا ستلاقي المصير نفسه ، اذ ان الديمقراطية والحرية امران متشابكان مترابطان ، فمن المستحيل الحصول على الواحد دون الاخر .

وخلال الاشهر القليلة المقبلة ، سيتركز اهتمام العالم على الانسحاب الاحادي الجانب الذي خططت له اسرائيل من قطاع غزة . والشعب الفلسطيني لا تعتريه الاوهام تجاه هذا الانسحاب، فهو ليس دلالة على السلام ، بل انه لتشتيت الانتباه عن التوسع الاستيطاني الاسرائيلي في الضفة الغربية .

ففي حين تضخم اسرائيل عملية اخلاء «7300» مستوطن من قطاع غزة ، فانها في الوقت نفسه تقوم ببناء منازل لثلاثين الف مستوطن في الضفة الغربية.

واضافة الى ذلك فان اسرائيل حتى بعد سحب مستوطنيها من قطاع غزة تريد الاستمرار في السيطرة على حدود القطاع ومجاله الجوي وساحله البحري بحيث لن يستطيع احد الدخول او المغادرة دون موافقتها، وقد اعرب الجيش الاسرائىلي بشكل قاطع عن نواياه بالعمل داخل قطاع غزة بحيث ان الـ 3،1 مليون فلسطيني في قطاع غزة الذين عاشوا تحت الاحتلال القمعي بالكاد لن يصبحوا احرارا بعد الاخلاء الاسرائىلي فالفلسطينيون يشعرون بان قطاع غزة سيصبح سجنا كبيرا.

وبالرغم من كل ذلك فان السلطة تعهدت بان تنسق مع اسرائيل من اجل انجاح عملية الاخلاء وسنتحمل المسؤولية عن غزة بعد الانسحاب الاسرائيلي كما ان حكومتي مصممة على دعم رفاه وصالح جميع الفلسطينيين وسنفعل كل شيء بمقدورنا للحفاظ على السلام والاستقرار وتحسين حياة سكان قطاع غزة وانني ادعو اسرائيل الى عدم اعاقة جهودنا في هذا المجال.

خلال السنوات الاربع الماضية تسببت التوغلات العسكرية الاسرائيلية اليومية في اراضينا وتدمير بنيتنا التحتية ومؤسساتنا في جعلنا شعبا فقيرا لكننا لسنا ضعفاء ان قوتنا مصدرها ليس التفوق العسكري .. بل مصدرها قناعاتنا وايماننا الراسخ ان حملتي الانتخابات الرئاسية كانت تعتمد على ايماني الثابت والراسخ بان العنف والاعمال الاحادية الجانب لن تؤدي الى احلال السلام الدائم مع اسرائيل فالسلام لا يأتي الا من خلال المفاوضات والحوار ، فمن خلال الاقناع استطعت ان احقق خلال اربعة اشهر ما لم تستطع اسرائىل تحقيقه خلال اربع سنوات من التوغلات العسكرية والاغتيالات التي لم تؤد الا الى انتشار الموت والدمار لكن فترة الهدوء هذه ستنهار بسرعة اذا لم يتم البدء فوراً بمحادثات السلام واذا اردنا انقاذ الرؤية القائمة على حل الدولتين، فان عملية الاخلاء الاسرائيلي من قطاع غزة يجب ان تعتبر خطوة اولى تتبعها بسرعة خطوات اخرى في الضفة الغربية اضافة الى استئناف لمحادثات السلام الهادفة الى تحقيق اتفاقية سلام دائم.

ان انتخابي رئيسا يظهر بأن الشعب الفلسطيني يشاركني قناعاتي الراسخة وانه على استعداد لتقديم التضحيات المؤلمة الضرورية لجعلها قناعات مثمرة. ان مقاييس رؤيتي للسلام الدائم معروفة جداً: عودة اسرائيل الى حدود ما قبل سنة 1967وتقاسم القدس كعاصمة لدولتين وحل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومعاهدة سلام دائم بين دولة اسرائيل وفلسطين اعتمادا على المساواة والمصالح المتبادلة. ان رؤيتي هذه تشاركنا فيها الغالبية العظمى من الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي.

ولكن ولسوء الحظ، فان هذه الرؤية لا تشاركني فيها حكومة اسرائيل، وحالياً، فان الكثير من الاعمال التي تتخذها الحكومة الاسرائيلية تتناقض مع هذه المقاييس فكلما اتخذت اسرائيل تدابير واعمالا احادية الجانب، اغلقت الطريق نحو السلام النهائي وقوضت رؤيتي ورؤية الرئيس بوش.

ان الزمن هو اشد اعداء السلام في الشرق الاوسط، كما ان زمن الاتفاقيات المؤقتة والاتفاقات الجزئية قد انتهى، فلم يعد يكفي ببساطة ان نتعامل مع النزاع بينما تقوم اسرائيل بأعمال احادية الجانب. فمن اجل السلام والديمقراطية، حان الوقت لانهاء النزاع، والان يملك الاسرائيليون والفلسطينيون الفرصة لفعل ذلك ووضع نهاية تامة لنزاعنا المأساوي. انني على استعداد للجلوس فورا مع اريئيل شارون والبدء بمفاوضات السلام الدائم. وحين التقي الرئيس بوش اليوم، سأطالبه بتحقيق رؤياه الخاصة بحل الدولتين المتمتعتين بالسيادة والقدرة على الحياة والديمقراطية والقادرتين على العيش جنباً الى جنب بسلام وامن.

واذا كان لازال مقتنعا وملتزما برؤياه الاصلية كما آمل، واذا تم الضغط على رئيس الوزراء الاسرائيلي اريئيل شارون للتخلي عن الحل الاحادي الجانب، فاننا جميعا سنجعل من العام 2005عام سلام في الشرق الاوسط. - (القدس 28 آيار 2005) -