بعد الانسحاب من غزة واستكمال بناء الجدار ستكون بذلك اسرائيل قد قامت برسم حدودها النهائية دون تنسيق مع الجانب الفلسطيني، فالتعديلات التي أدخلتها اسرائيل على مسار الجدار قد ضمنت وجود أغلبية المستوطنين خارج الجدار، واكثرية الفلسطينيين داخله باستثناء القدس الشرقية التي ضمت بالكامل الى اسرائيل، ولا أريد استخدام الارقام والنسب التي أوردتها صحيفة "نيويورك تايمز" والتي تتحدث عن ضم 8 في المائة من مساحة الضفة الغربية بانتظار الحصول على الارقام الفلسطينية التي قد تختلف أو تلتقي معها. المحصلة النهائية أن ما سيترك على بساط المفاوضات هو تلك النسبة التي ضمتها اسرائيل إليها من الارض الفلسطينية المحتلة، وموضوعا القدس واللاجئين، إضافة الى السيطرة على الحدود ومستقبل المستوطنات التي بقيت داخل الجدار.

بعض السياسيين والمفكرين الاميركيين يعتقد أن النسبة التي ستضمها اسرائيل إليها قبل المفاوضات تقترب من تلك النسبة التي تحدث عنها كلينتون في اقتراحة المقدم للجانبين، وهي من 4 إلى 6 في المائة، وبالتالي فإن المفاوضات النهائية، اذا ما قدر لها أن تبدأ، فإنها ستبدأ مـن مرحلة متقدمة في الحـل النهائي الذي حددته اسرائيل وحدها بالاستناد الى عرض كلينتون، وبالتالي فإن الجدار في جوهره ليس بهذا السوء، بل قد يشكل خطوة في اتجاه الحل النهائي.

لكن ما يخشاه الفلسطينيون حقيقة ليس المفاوضات بالاستناد الى مقترحات كلينتون، وإنما الخوف الحقيقي هو أن هذه المفاوضات لن تبدأ أبداً، وأن عليهم أن يتعاملوا مع الامر الواقع الذي فرضته اسرائيل وحدها، والسياسات الاسرائيلية المعلنة لا تعطي الانطباع بأن هنالك مفاوضات نهائية ستبدأ من حيث المبدأ. والمسألة لا تتعلق بالتصريحات الاسرائيلية، على أهميتها، بل تتعلق بشكل العلاقة الاسرائيلية مع الجانب الفلسطيني، وبما تمارسه على الارض.

على الارض اسرائيل تسعى لربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس، وهي بذلك تعلن صراحة أن ملف القدس مغلق ولا مفاوضات حولها. وبسيطرتها على المعابر بما في ذلك معابر غزة التي تنوي اسرائيل الاحتفاظ بها بعد انسحابها منه، وهي بذلك ستحدد العدد من اللاجئين وحتى أسماءهم ممن سيعودون من الشتات اليه، وفي الضفة لا يختلف الامر في شيء، فإسرائيل تبقي مستوطناتها الموجودة داخل الجدار حتى تلك الموجودة في قلب المدن الفلسطينية، مثل الحي الاستيطاني في مدينة الخليل، وتقوم بتعزيزها، وإذا ما أرادت السلطة مفاوضات نهائية فلا مانع من المفاوضات، لكن ليس حول القدس وليس حول المستوطنات خارج الجدار، وإنما حول تلك المستوطنات داخل الجدار.

وفي العلاقة السياسية مع الجانب الفلسطيني، فإن اسرائيل تقترب شيئاً فشيئاً من الاعلان عن الرئيس عباس بأنه ليس ذا صلة، فما يطلب منه هو الإقدام على حرب أهلية ليس بهدف استعادة القدس الشرقية وليس بهدف حل مشكلة اللاجئين وإنما لتأمين حدود اسرائيل الجديدة، وإذا لم يقم بذلك فمصيره السياسي ليس بأفضل من مصير الرئيس الراحل ياسر عرفات. أما الخطوات العديدة التي اتخذها، بما في ذلك نجاحه في الحفاظ على التهدئة وتوحيده أجهزة الامن ومحاولاته لاستعادة هيبتها، فلا تكتفي اسرائيل بالتقليل من شأنها وإنما تسعى إلى عرقلتها من خلال اجتياحاتها المتكررة لمناطق كان من المفترض ان تكون قد انسحبت منها وفقاً لتفاهمات شرم الشيخ، أو باعتداءات تدعي اسرائيل بعدها أنها حدثت بالخطأ مثل عملية قتل الفتية الثلاثة في رفح، قبل شهر.

واذا كان من الواضح لنا ما تذهب اليه حكومة شارون في سياساتها فإن الاستراتيجية الفلسطينية المقابلة التي تستند الى المضي في طريق الإصلاحات السياسية والامنية والى الحرص الذي تبديه على عدم العودة إلى دائرة العنف مهما كانت الاسباب لا يمكن ان يكتب لها النجاح اذا لم يحدث تدخل دولي وأميركي من حيث المبدأ ليس بهدف تعزيز السياسات الفلسطينية الجديدة وتطويرها فقط، وإنما للضغط على اسرائيل لوقف اية محاولات لتوسيع مستوطناتها، ولضمان أن ما بعد الانسحاب من غزة هو مفاوضات حقيقية على موضوعات الحل الدائم، أو بالاحرى على مكونات القضية الفلسطينية التي تسعى اسرائيل للهروب منها وهي قضايا القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات.

وإذا ما أرادت الولايات المتحدة لأبو مازن أن ينجح، وهذا يخدم استراتيجيتها في الشرق الاوسط بشكل كبير، فلا أقل من ضمانات مكتوبة له شبيهة بتلك التي حصل عليها شارون في نيسان من العام الماضي. وهذه الضمانات يجب أن تكون واضحة في محتواها وفي تأكيدها على أن الولايات المتحدة لن تقبل بأن تقرر جهة وحدها مستقبل القدس الشرقية، وانها لن توافق على اية اجراءات لإخـراجها من المفاوضات ولن توافق على حقائق تفرضها اسرائيل بالقوة فيها، وانها أيضا لن تقبل بتوسيع المستوطنات، وبأن مفهومها للدولة الفلسطينية المتواصلة هو تواصل جغرافي حقيقي وليس تواصلاً بالأنفاق والجسور، وبأن السيادة أيضا حقيقية وليست رمزية، ويجب تقديم ضمانات أيضا بأن الولايات المتحدة لن تقبل بالجدار كحدود للدولة الفلسطينية الـمستقبلية.

بهذه الطريقة يمكن تعزيز موقف القيادة الفلسطينية أمام شعبها، فهي تواجه بتشنجات وبتحديات من تنظيمات، ومن تنظيمات داخل تنظيمات، بطريقة لا يمكن السيطرة عليها أحياناً بسبب المخاوف من أن نهاية الطريق الذي يقوده عباس لن يفضي لحل يمكن قبوله، خصوصا ان هذه المخاوف حقيقية عبر عنها هنري سيغمان في مجلة "الفورين افيرز" بقوله إن حكومة شارون تريد لمشروعها بالانسحاب من غزة أن يكون نهاية لانسحاباتها.

وهنا من الضروري الاشارة إلى أن التنظيمات الفـلسطينية عليها أن تتوقف عن ممارسة السياسة على طريقة ردات الفعل التي حكمت منطق الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها، وكأن ذلك قدر لنا. فالـمطلوب دائما هو القدرة على الربط بين ما هو استراتيجي بمعنى الاهداف، وبين ما هو مرحلي لخدمة هذه الاهداف، بما في ذلك معرفة عناصر القوة في الموقف الفلسطيني التي تمكنه من الوصول اليها، ومن المؤكد أن السلطة لا يمكنها السماح بتعدد الاستراتيجيات والوسائل لأن هذا الطريق سيؤدي الى الفشل حتماً، ومن المؤكد أيضا أن سياسة واحدة تمارسها سلطة شرعية واحدة هي المقدمة الحقيقية للحصول على تأييد اميركي واضح يوصلنا إلى أهدافنا0

(جريدة الأيام-5/5/2005-).