قبل أيام قليلة أصدرت منظمة الشفافية العالمية تقريرها السنوي ، الخاص برصد حجم انتشار الفساد في جميع دول العالم ، وفقا لما جرت عليه العادة منذ أكثر من ثماني سنوات ، ولا يخفى على القارئ العزيز، أن الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية جزء أصيل منها تعاني من كونها ما زالت في أسفل السلم العالمي الخاص بمستوى الشفافية والنزاهة والمساءلة .

الكل الفلسطيني ، سلطة ومعارضة ، كان يحمل انتشار ظاهرة الفساد بجميع مظاهرها (المحسوبية ، الرشوة، المحاباة، نهب المال العام، الابتزاز) إلى طبيعة العهد الرئاسي السابق ، الذي كان يحابي هذا ، ويسترضي ذاك ، ولكن ما حجة العهد الجديد ، وقد رفع شعاره الانتخابي بالقضاء على جميع تلك المظاهر ، واستبشر البعض خيرا ، على الأقل لمعالجة ملف داخلي جد ساخن ، يئن المواطن من تبعاته ويشكو ، ولكن ما من مجيب !!

شاهدت مؤخرا جلسة علنية للمجلس التشريعي الفلسطيني لمناقشة تقرير اللجنة الاقتصادية ، وكانت جلسة عاصفة ، حيث تناولت الحديث عن وجود مصانع وهمية ، واختلاس أحد المسئولين لمبالغ تقدر بملايين الدولارات ، والمثير في الأمر أن الجلسة بثتها "الجزيرة مباشر" لأكثر من ساعتين ، تصوروا ، كيف سيرى العالم أجمع غسيلنا (ناصع البياض) ينشر على الملأ ، عفوا على الجزيرة مباشر !!

الغريب أنه عند إثارة هذا الملف بين الحين والآخر ، تبرز بعض الأقلام والألسنة لتتناول مدى مواءمة الظروف الحالية لفتح قضايا هذا الملف الشائك في الأجهزة الإدارية والمالية التابعة لمؤسسات ووزارات السلطة الفلسطينية .

ففيما يرى المقربون من مواقع صنع القرار أن الفرصة قد لا تكون مهيأة حاليا لخوض معركة مفتوحة مع مراكز قوى الفساد وفتح ملفاتها، يوجه آخرون انتقادات واسعة لحضرات النواب الذين لم يبدأوا بعد مواجهة مفتوحة ومنهجية ، في ظل توافر قرائن ومستندات تؤكد تورط عدد لا بأس به من المسئولين والوزراء في هذه الملفات .

وفي ضوء رفع العهد الجديد في السلطة الفلسطينية الذي سيقترب من العام ، لشعارات الشفافية والمساءلة ، وأن لا أحد فوق القانون ، فإن هناك ضرورة ملحة وماسة ، لإعلان الحرب على الفساد ومظاهر التسيب المالي ، مع ما يتبع ذلك من رؤية شواهد حقيقية على نتائج هذه الحرب ، كاستخدام النواب لحقهم بدءا باستجواب المسئولين والتحقيق معهم ، مرورا بإقالة بعضهم ، وصولا إلى وقوف جزء منهم خلف قفص الاتهام ، كاستحقاق طبيعي لما قضوه خلال العقد السابق في نهب المال العام، واستمراء هذه العادة السيئة والورم الخبيث الذي لا داء له إلا الاستئصال !!

لقد قام المجلس التشريعي بخطوة لا بأس بها تمثلت بإقرار قانون الكسب غير المشروع ، والمصادقة عليه ، ولكن القانون بقي من غير أرجل يتمكن من السير عليها ، ولذلك سيبقى يعاني من إعاقة تجعله حبيس الأدراج ...لماذا ؟

لأن الوزراء والمسئولين المدنيين والأمنيين في السلطة الفلسطينية على حد سواء ، والوكلاء والمدراء العامون (وما أكثرهم) ، في جميع المواقع الرسمية ، لا يتقبلون فكرة ، مجرد فكرة ، أن يتقدم لهم نائب في منتصف العمر ، لا يمتلك باعا طويلا في السيرة النضالية (إياها) ، ولا رصيدا عشائريا ذو وزن ثقيل ، ليستجوب أحدهم بشأن أمواله الخاصة ، بصرف النظر عن كون هذه الأموال شرعية أو غير شرعية !!

وما دامت هذه الفكرة غير مستوعبة أصلا ، فإن الأمر يتطلب من النواب (المخلصين على الأقل) - إن توفرت النية الحقيقية- أن يظهروا عنادا واضحا في تسجيل موقف تاريخي بخصوص تطبيق التشريعات التي أصدروها لمحاربة ظاهرة الفساد ، وما سيضفيه ذلك من إثارة وتحريك للماء الفصائلي الراكد والبعيد عن هذه الملفات ، والذي تقع على عاتقه مسئولية كبيرة في إهمال هذا الملف !

وربما تشكل الضائقة الاقتصادية التي يعيشها المواطنون مبررا بل ودافعا لتفعيل الهيئات الرقابية التي تسعى للحفاظ على المال العام ، ومواجهة الإهدار المتواصل في الأموال العامة ، عل الأقل حفاظا على شرعية النظام السياسي الحاكم وهيبته في حدودها الدنيا ، استنادا إلى الرأي القائل أن شرعية السلطة – أي سلطة- مستمدة من قدرتها على محاربة الفساد والمفسدين !

ومع أن هناك تجاذبات سياسية وبرلمانية وشخصية - جد شخصية- ستعترض الاستمرار في هذا المشوار الصعب ، وربما المكلف ، إلا أن ذلك يتطلب من جميع الجهات الفاعلة في المجتمع الفلسطيني ، أحزابا وقوى سياسية، مؤسسات حقوقية ، منظمات مجتمع مدني ، رفع حجم الضغط والتأثير لإجبار الحكومة والمجلس التشريعي وباقي الهيئات الرقابية للوقوف على المحطات البارزة في مسيرة الفساد المتصاعدة ، قدما في طريقها دونما اعتراض من أحد !

وإلى أن ينجح هذا الضغط في إيجاد حالة أكثر تأثيرا في مواجهة الفساد ، تبقى حقيقة واضحة يشعر بها الفلسطينيون ، وهي أن الجميع مطلوب منه أن يتحرك بقوة ضد هذه الظاهرة ، وهذا التحرك لا يتم بالعادة دون استشعار باطني للأضواء الحمراء التي تطيح عادة ببعض الرؤوس !! - (الحقائق 1 تشرين ثاني 2005) -