لاشك أن المعايير في هذا الزمان أصبحت مقلوبة، وأضحت المصالح وسيلة التخاطب الوحيدة، وتراجعت الأخلاق إلى الصفوف الخلفية، وتقدمت الانتهازية مسافات إلى الأمام، معلنة وبوضوح أن النفاق السياسي سيظل موجوداً، طالما كان استراتيجية عمل لقوى لا تزال تهوى الاستمتاع بعذابات الآخرين، والمتاجرة بأحلامهم وحقهم في الحياة.
وبالنظر إلى الدماء التي تسال الآن على أرض فلسطين والعراق، وهذا الاستهتار بالإنسان العربي يتضح لنا على الفور كم هذا العالم أصبح منافقا، وبالتحديد القوى الكبرى فيه التي ترى الظلم .
ولا تفعل شيئا، رغم انه من مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية أن تتحرك من اجل وقف هذا الاستنزاف للإنسان العربي، وهذه الفوضى التي تنال من رصيد الأوطان العربية وحقها في أن تعيش في استقرار وأمان واستقلال.
نعم نفاق وإلا كيف نفسر أقدام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين اجتمعوا أخيراً في بروكسل على عدم نشر تقرير أعده دبلوماسيي الاتحاد في القدس الشرقية ويتهم إسرائيل بأنها تعمل بسرعة لضم القدس الشرقية العربية فعليا عبر الاستيطان اليهودي غير المشروع.
وبناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية، ويشير إلى أن السياسات الإسرائيلية تقلص إمكانية التوصل إلى اتفاق للوضع النهائي بشأن القدس يمكن لأي فلسطيني أن يقبله.
ويوصي التقرير بأن يطلب الاتحاد الأوروبي من إسرائيل »وقف المعاملة القائمة على التفرقة ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية خاصة فيما يتعلق بتصاريح العمل وتصاريح البناء وإزالة المنازل والضرائب والنفقات«.
انه بالتأكيد نفاق سياسي خالص، وإلا لماذا يتم إخفاء هذه الحقائق التي تخص قضايا وحقوق الشعوب التي يغتصبها الاحتلال، في حين لا يتوانى هذا الاتحاد عن التصدي بكل شجاعة وصوت عال إلى قضايا لا يمكن مقارنتها من حيث الأهمية بتلك التي تكشف المخططات الإسرائيلية بحق القدس.
هنا أتذكر خبراً نشرته الصحف التركية قبل فترة، يقول إن »السلطات التركية أحالت عشرين حماراً للتقاعد في مدينة ماردين بعد قضاء عشر سنوات في جمع القمامة من الأزقة الضيقة التي لا تستطيع سيارات البلدية دخولها.
وذلك في إطار تطبيق تركيا للمعايير التي فرضها عليها الاتحاد الأوروبي ليسمح لها بأن تنضم له، وهي المعايير المعروفة باسم »معايير كوبنهاغن« والتي يبدو أنها لا تتسامح مع ضياع حقوق الحمير«.
إذن حقوق الحمير في تركيا، تجد تعاطفاً كبيراً من جانب الاتحاد الأوروبي، في حين أن الإجرام الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني وأرضه، لا يجد مثل هذا التعاطف، بل ان الحقائق يجري طمسها حتى لا تغضب الدولة العبرية.
إننا في هذه المنطقة عانينا كثيراً من هذا الصمت وتلك الازدواجية في المواقف التي تتعلق بقضايانا المصيرية، والتي أدت إلى أن أصبحنا في موقف ضعيف للغاية، رغم أننا أصحاب قضايا عادلة.
ومن ثم فانه آن الأوان لكي يتوقف الغرب عن ممارسة هذه الازدواجية في المواقف، وان يكون حريصا على أن تحيا شعوب هذه المنطقة في مناخ من الاستقرار والهدوء والسلام، وان يكون له موقف شجاع في وجه المحتلين الذين يحاولون إدامة اغتصابهم للأرض العربية وتحطيم الحاضر والمستقبل لكافة شعوب المنطقة.
ليس هذا فقط بل ان اتخاذ الغرب مثل هذه المواقف الصريحة والشجاعة، سوف يقلل من حجم العداء، الذي يتصاعد ضده جراء مساندته العمياء لفكر وثقافة وممارسات الاحتلال، سواء في العراق أو في فلسطين، وهو أمر مطلوب قبل أن تشتعل حرائق جديدة يصعب السيطرة عليها. - (البيان الاماراتية 28 تشرين الثاني 2005) -