بدأت بريطانيا بمحاكمة من سرب من موظفيها معلومات أرادت حجبها عن العالم.
والتسريب الإستخباري الذي ظهر الأسبوع الماضي، حول ما تردّد من رغبة جورج بوش في قصف مقرّ الجزيرة في الدوحة، وكان الفضل في نشره يرجع إلي جريدة الـ ديلي ميرور قبل أن يقمعها نائب عامّ ليس من ذوي السمعة العطرة، كان جديراً بإثارة قلق سياسي أشدّ بكثير ممّا شهدته بريطانيا حتي الآن. وكان يتوجّب أن يثير مساءلة جدّية حول ما إذا كان طوني بلير صالحاً للبقاء في منصب رئيس الوزراء، هو الذي يسير كتفاً إلي كتف مع متهور مجنون لا يبدو أنّ بلير يمارس أيّ تأثير عليه.
والمحادثة، التي دارت في نيسان (إبريل) 2004 بين زعيمي العالم الحرّ هذين، توافقت مع الهجوم الوحشي الذي شنّته الولايات المتحدة علي مدينة الفلوجة حيث، كما بتنا نعلم الآن، جري استخدام أسلحة كيماوية ضدّ السكان المدنيين كما فعل نظام صدام في حلبجة.
لقد سعي الجيش الأمريكي إلي أن يخفي عذابات أهل الفلوجة عن أنظار العالم، عن طريق إلحاق جميع الصحافيين ليس علي سبيل حمايتهم، كما يحلو للجيش القول، بل كوسيلة لممارسة الرقابة الشاملة علي ما يمكن أن ينقلوه. ولقد قصف الأمريكيون المستشفيات، زاعمين أنّ العصاة كانوا يختبأون فيها، ومنعوا الصحافة من دخولها للحيلولة دون كشف الحقيقة حول آثار الأسلحة الممنوعة التي استعملها الجيش الأمريكي.
ولقد تمّ، سريعاً، اختراق معظم وسائل الإعلام الغربية علي هذا النحو. إذاعة الـ BBC مثلاً خذلت جمهورها العالمي حين فشلت في نقل جريمة الحرب المديدة في الفلوجة. ومراسلها، بول وود، بعث بتقارير غبيّة بليدة عن العمليات، مستخدماً مفردات الدعاوي الأمريكية حرفياً ودون تدقيق.
ومع ذلك، وعلي نقيض من الـ BBC والـ CNN، اللذين انتهيا إلي التقليد الببغائي لما أملاه عليهما الملقّنون الأمريكيون، كان مذيع الجزيرة أحمد منصور يروي حكاية مختلفة. وفي شهر نيسان المعني كان يرسل التقارير من داخل بيوت ومستشفيات المدينة المهدّمة. وكان، وفريق التصوير الذي يرافقه، يراوغون الرصاص والقنابل علي مرأي من مشاهديهم، وهم يقابلون الأطباء والجرحي والموظفين المحليين وسواهم، ليقدّموا إلي مَن يفهم العربية لمحة جحيمية عن معني أن يكون المرء مدنياً في غرنيكا العراق. وسواء أكان يهزل أم لا، فملائماً تماماً أن يرغب جورج بوش في محو هذا النوع من التغطية الصحفية عن الوجود نهائياً، لأنها إنما كشفت النقاب ـ بتفصيل مباشر ورهيب ـ عمّا كان وزمرته يقومون به في هذا الإحتلال، المدمر والناهب للعراق. ولم يكن غريباً أن يطلق دونالد رمسفيلد صفات الأثيمة، غير الدقيقة، ولا تُغتفَر علي تغطية الجزيرة لأحداث الفلوجة. ولا غرابة أن يُقتل مصوّر الجزيرة ، طارق أيوب، بصاروخ أمريكي. لا غرابة.
والحال أنّ الجزيرة كانت تحت الأنظار الأمريكية بسبب تغطيتها المباشرة من العاصمة الأفغانية كابول.
ومراسلها المعروف تيسير علوني وفريقه نجحوا في تقديم السبق الإعلامي للعالم من خلال روايات شهود عيان عن أحوال المدنيين الأفغان تحت القنابل العنقودية الأمريكية والقصف التمشيطي. والملايين الذين اعتمدوا علي تغطية علوني يؤمنون الآن أنه خلف القضبان في إسبانيا بسبب التقارير اللاذعة المناهضة لأمريكا، التي كان يرسلها من كابول وبغداد، وليس بسبب التهم الغامضة والمفرطة في التسييس التي وُجّهت إليه، والتي تفوح منها روائح الإنتقام. تماما كما تفوح من احتجاز مصور الجزيرة سامي الحاج ونقله بالقوة الي معسكر غوانتانامو حيث يقبع، حيث عاني من اشنع التنكيل الجسدي والاهانات الدينية كما افاد محاموه.
إنّ المكتب السياسي التابع لبلير لن يمانع في بعض الثأر من الـ ديلي ميرور ، الصحيفة التي اتخذت موقفاً مشرفاً مناهضاً للحرب، علي عكس معظم الصحف البريطانية. واللورد غولدسميث، أداة التنكيل، فقدَ منذ زمن طويل مصداقيته كرجل بدّل موقفه من أمر جلل كالحرب، لمجرّد أنّ حكومة الولايات المتحدة مارست عليه ضغطاً قليلاً! و قانون الأسرار الرسمية الذي استند إليه لأداء دور كاتم الصوت، هو قانون يُعدّ كتلة متضخمة من اللغو القانوني يُراد لها أن تكون ورقة توت تخفي أخطاء وجرائم الجهات الرسمية. وينبغي أن يُنّحي جانباً بصفة نهائية حين يصطدم في نظام ديمقراطي بحقوق الشعب في معرفة ما يعتزم القيام به ـ من خلف الظهور! ـ قادتهم المنتخبون.
لقد سمحت بريطانيا لنفسها بالإنجرار إلي حرب كارثية، استناداً إلي ذرائع مزوّرة تمّ تلفيقها في واشنطن. ولقد فشلت في تحدّي رئيس وزرائها في كلّ خطوة علي ذلك الدرب، وكان يجدر بها أن تفعل. فما نفع برلمان عظيم، إذا اقتصر دوره علي السجود أمام الطيش الحكومي؟ السير منزيس كامبل، نائب زعيم الديمقراطيين الليبراليين، كتب في سخط بالغ أنّ المشاهد الدامية الآتية من العراق هي أخبار من الدرجة الثانية ، وأنّ آخر جلسة برلمانية تامة لمناقشة الامر تعود إلي تموز (يوليو) 2004!
أمّا الجزيرة فإنها، في المقابل، تثير نقاشاً تاماً في كلّ يوم من كلّ اسبوع، ويجري طرح كلّ رأي ورأي آخر حول الموضوع، فيُفسح المجال للعرب كي يفهموا ما يجري في ذلك البلد علي وجه الدقة. القناة كذلك تفيدهم علماً، ضربة إثر ضربة، بما يقع تحت الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهو موضوع يندر أن تقترب منه وسائل الإعلام الغربية بأيّ تعمّق حقيقي. وبالقدر ذاته من الأهمية تنقل القناة ما يجري في البلدان العربية، الخاضعة لأنظمة عربية شديدة القمع. ومؤخراً عرضت سلسلة رائعة بعنوان أدب السجون ، صوّرت وسردت تجارب فظيعة لسجناء سياسيين قبعوا في زنازين العالم العربي. وعلي سبيل المثال كانت الحلقة الخاصة بسورية، والتي أخرجتها شاعرة وسينمائية سورية موهوبة، بالغة التأثير حقاً. نحن أمام ممثل وشاعر وروائية، جميعهم سُجنوا وهم في العشرينات من أعمارهم أثناء حملة الإعتقالات الواسعة التي شملت قوي المعارضــــة مطلع الثمانينات، يحكي كلّ منهم عـــــن الطــــرائق التي استُخدمت من أجل تحطيم روح المعتقـــل، والثمن الباهظ الذي توجّب علي أُسَرهم أن تدفعه، والشروط المريعة التي خضع لها المعتقلون، حيث تعيّن عليهم محاربة الجرذان المنقضّة علي خبزهم، والنوم واقفين بسبب الاكتظاظ المقصود والمهين في الزنازين.
ولهذا فإنّ جورج بوش ليس الوحيد الذي يريد إزالة الجزيرة من البثّ، إذْ يشاطره هذا الرأي كلّ زعيم عربي. لقد سعت الأنظمة العربية إلي إغلاق مكاتب القناة، أو أساءت معاملة مراسليها، كما سجنت بعضهم، وضغطت علي الحكومة القطرية لكي توقف الجزيرة رسالتها.
والحقّ أنّ الجزيرة باللغة العربية تظلّ بمثابة قصة نجاح لا جدال فيه. لكنها تنوي الإنطلاق باللغة الإنكليزية في هذا الربيع، والشائعات تردّد منذ الآن انها سوف تسير إلي انحدار مشهود، فتمتنع عن الموقف الجذري الذي يروي الحقائق كما هي عليه، وتصبح أدني مستوي بكثير في تمثيلها الرأي العربي، وأبعد التزاماً بما يريده الأمريكيون منها.
ومنذ الآن، ثمة الكثير من التنافر بين جهازَي الإذاعة العربيّ والإنكليزي. فالمذيعون العرب، وجلّهم اصحاب مهارات وخبرات عالية، والكثيرون بينهم ناطقون ممتازون بالإنكليزية، يرون الجزيرة ـ الدولية وقد سُلّمت لقمة سائغة إلي مَن هم في عداد الأشخاص ضئيلي القدرة من الأقنية الغربية. والتعيين للوظائف أمام الكاميرا اقتصر حتي الآن علي مذيعين من أمريكا وبريطانيا و(قلّة) من آسيا، ولكن ليس أيّ عربي البتة. وهذا نقص فادح شديد المغزي في سياسة القناة، حين تكون في الـ CNN ذاتها مذيعة نجمة هي السورية ـ الأمريكية هالة كوراني، وتكون السودانية ـ البريطانية زينب بدوي في الـ BBC!
ينبغي علي الجزيرة الناطقة بالإنكليزية أن تقتفي خطي الجزيرة الناطقة بالعربية، التي ابتكرت لها المكانة والهيبة الاعلامية ـ لا أن تسعي إلي أن تكون بوقاً للبنتاغون مثل غيرها، أو للمصالح الغربية بصفة أعمّ. إنّ تعيين نجوم آفلة مفزعة مثل السير دافيد فروست لن تكون له جدوي مع جمهور شابّ مسيّس بشدّة، لن يغفر للقناة اي تخل عن مواقفها السابقة. ولما التفريط الان بفرصة مثالية لفرض وجهة النظر العربية علي العالم الدي طالما فرض علينا اكاذيبه الاعلامية؟ فهل يصحّ القول إنّ قطر ـ الدولة الصغيرة التي تؤوي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية، ولكنها مع ذلك أفلحت في إنتاج محطة فضائية لا تخشي مواجهة الهيمنة الأمريكية ـ علي وشك أن تفقد أعصابها الآن، فتقدّم نسخة إنكليزية من الجزيرة بلا أسنــــان، آملة أن يقرّر جورج بوش آنذاك أن لا يمحوها من الخريطة؟ - (القدس العربي 30 تشرين الثاني 2005) -