أخطات حركة المقاومة الإسلامية حماس ، عندما سمحت لشارون وجيشه ومستوطنيه ، بالتملص من نار المقاومة والهروب من قطاع غزة بدهاء وبتواطىء عربي وعالمي مع شارون ، لتجنيبه الهروب من غزة ، كما هرب جيشه من قبل من جنوب لبنان تحت النار .

أخطات حماس- وكم تمنينا أن لا تُخطأ - وأجبرت فصائل المقاومة الأخرى على منح هدنة مجانية لشارون مارس من خلالها القتل والإعتقال ، وتدمير المنازل ، وجرف الأراضي وقلع المزروعات وبناء جدار الفصل العنصري وضم مزيداً من الأراضي في الضفة لإستيطانها .

أخطأت حركة حماس ويجب عليها أن تعترف بخطأها لأنها بالغت من ناحية بثقتها بالأطراف العربية لإنتزاع هدنة منها لصالح إسرائيل واستسهلت من ناحية أخرى السماح لشارون أن ينسحب من قطاع غزة من خلال الهدنة ليظهر أمام العالم أنه بطل سلام قدم تنازلات مؤلمة ، وعلى استعداد تقديم المزيد ، مكّنه ذلك من تسويق (الطبعة الثانية من شارون) بمساعدة عربية وعالمية .

رغم الضغط الممارس على حماس محلياً وإقليمياً وعالمياً ، كان الأجدر بها أن تقرأ جيداً ما كتبه شارون بين السطور من خلال إعادة إنتشاره حول غزة ، كما يجب أن ُيقرأ ذلك ، لأنها لو قرأت كما يجب أن ُيقرأ شارون، لما أضاعت فرصة أن يرى العالم شارون وجيشه ومستوطنيه يفرون تحت وطأة نار المقاومة، ولأعفتنا وأعفت العالم المتعاطف معنا من رؤية أفلام الكرتون والمسرحيات التي أعدها شارون ، وأخرجها بعناية ، ليرى العالم عهر ودموع اللصوص المستوطنين ، شذاذ الآفاق عبر فضائيات العالم .

فأهم ما كتبه شارون بين السطور تأكيده الحصول على ورقة ضمانات عربية وفلسطينية هذه المرة أخطر بكثير من ورقة الضمانات الأمريكية التي تلقاها من بوش في نيسان من العام الماضي ورقة الضمانات العربية الفلسطينية هذه تنص على قبول الطرف الفلسطيني والعربي لشروط شارون بوش التعجيزية والإلتزام بتنفيذها بنداً بنداً ، بإشراف الثنائي الجنرال وليم وورد (المندوب السامي الأمريكي ) والجنرال مصطفى البحيري (الحاكم الفعلي لقطاع غزة ) ليبدأ بتصفية القضية الفلسطينية والى الأبد، بأيد عربية وفلسطينية، وليفرض شارون نفسه مرجعية لما يسمى عملية السلام ، هو من يضع العلامات للطرف الفلسطيني حسب أدائه لدوره المنوط به والمتمثل بنزع سلاح المقاومة ، وتفكيك خلاياها ووقف الانتفاضة ، والشروع في بناء نظام سياسي فلسطيني مستنسخ عن الأنظمة العربية الأخرى وابتزاز الفلسطينيين بتهديدهم بتسليم الضفة للأردن وقطاع غزة لمصر ولا ندري إن سلّم شارون قطاع غزة للطرف المصري أم لا من خلال المستشارين العسكريين المصريين في وحدات قوى الأمن الفلسطيني بقيادة نائب رئيس المخابرات اللواء مصطفى البحيري .

هل غاب عن قادة حماس؟ أن شارون (الطبعة الثانية) سيكون أكثر تشدداً من الطبعة الأولى وسيتنافس مع خصمه (بنيامين نتنياهو ، أيهما أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين) المتغلب عليه بين أعضاء حزب الليكود ، رغم فور شارون عليه بفارق 3% ليضمن فوزه بزعامة الحزب ، في الانتخابات القادمة ، لأنه خائف من تبدل النسب في ظل منافسة شبه متوازنة مع نتنياهو ، فرغم تراجعه عن فكرة إسرائيل الكبرى التاريخية والذي يعتبر تبدلاُ أيدولوجياً على ثقافة شارون ، إلا أنه سيكون أكثر تشدداً على صعيد موضوع الاستيطان في الضفة ، وتهويد القدس وتعديل حدود عام 1967 وضم الأغوار وعدم القبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم وأراضيهم التي اغتصبت عام 1948، وترسيم حدود إسرائيل بعد الانتهاء من بناء جدار الفصل العنصري ورفض الإنسحاب من الجولان السوري المحتل عام 1967.

شارون لا يبدي أي تعاطف لمعاناة البشر وخاصة الشعب الفلسطيني ، لا يثق بأحد ، رجل عسكري ذو عقلية أمنية ، قاتل محترف ، يرى العرب دائما من فوه البندقية ، مولع بإذلالهم وكلما أذلهم هامَ وكلاء الاحتلال بحبه ، تخلص بحنكة من عبء المستوطنين في قطاع غزة ، ونجح في نقل عناوينهم إلى مستعمرات الضفة ، يؤمن بفرض تفوق الرعب ، ومنطق القوة وفرض الحقائق على الأرض ، فرض حدود إسرائيل الجنوبية ، كما فعل سلفه باراك ذلك عندما فر وجيشه وعملائه من جنوب لبنان وأجبر العالم على ترسيم حدود إسرائيل الشمالية من خلال الخط الأزرق .

مواصلة العدوان على الشعب الفلسطيني حاجة وضرورة لشارون للتهرب من تنفيذ التزاماته وخصوصاً موضوع المعابر ، بعد أن اقتنع الطرف المصري بنقل المعبر إلى (كيرم شالوم) نقطة التقاء الحدود المصرية الفلسطينية الإسرائيلية ،لأنه يريد أن يعتبر المعابر معابر دولية واعتبار قطاع غزة دولة ثانية يستبيحها متى شاء براً وبحراً وجواً ، رغم نجاحه في استقدام قوات مصرية ترابط على الحدود الفلسطينية المصرية لمنع ما يدعيه تهريب العتاد العسكري إلى المقاومة في غزة ، بعد أن حدد عددها وعتادها ودورها وحتى لون ملابسها للحفاظ على أمن إسرائيل .

إعادة الانتشار حول غزة مكّن شارون من تغيير قواعد اللعبة لصالحة وحسب حاجته ، بعدما أوهم العالم أنه مل الاحتلال ، والقتل ، وأن شارون اليوم غير شارون الأمس (شارون طبعة ثانية) لكن شارون القديم مازال حياً يرزق رغم أنه زور نفسه بمساعدة أمريكية وإقليمية لكنه مازال راغباً في المصادقة على ارتكاب أفظع المجازر هو ورئيس أركانه موفاز ، حلوتس، وقائد المنطقة الجنوبية ، وقادة الأجهزة الأمنية . (إنفجار جباليا يوم الجمعة 23/9 الماضي يحمل توقيع شارون وأجهزته الأمنية).

شارون واثق أن إعادة انتشاره خارج قطاع غزة غير مقنع للأوروبيين لأنه لم يستكمل بانسحاب من الضفة ومطالب بالمزيد من الانسحاب في الضفة من قبل الأوروبيين ، إلا أن ما يشجعه بعدم الالتفات للموقف الاوروبي ، هو تشجيع حليفه بوش له بدعم من المحافظين الجدد في أمريكا لأن المحافظين الجدد، يريدون شرق أوسط جديد ،إسرائيل هي من يحفظ الأمن فيه لذلك يجب أن تكون إسرائيل القوة العسكرية الوحيدة المتفوقة في المنطقة مدعومة من أنظمة الكرازايات وكلاء الاحتلال في المنطقة العربية .

الطبعة الثانية لشارون ستكون مطابقة لأيدولوجية حزب العمل لكن بأداء أكثر تشددا لأنه َضمِنَ أصوات حزب العمل لدعمه في الانتخابات المقبلة ، في ظل تراجع حزب العمل إلى مصاف الأحزاب الصغيرة ، ليتوزع عليها يكون لشارون منه حصة الأسد، لذلك سيصوت حزب العمل بقيادة بيريز لصالح شارون في الانتخابات المقبلة ، وقد ينضوي ما يتبقى من حزب العمل في حزب صهيوني جديد متشدد برئاسة شارون ، فمن هنا أخطأت حماس في قراءتها للطبعة الثانية من شارون الأخطر من الطبعة الأولى ، شارون يقرأ ما يكتب جيداً بعكس العرب يكتبون ولا يقرأون ما يكتبون هذا أن ما زالوا يقرأون ويكتبون .

صحيح أنه كان لحماس الدور المركزي بصفتها نواة المقاومة الصلبة في إجبار شارون على الإندحار من غزة ، وهذا ما سيذكره التاريخ في صفحات ، إلا أنه إذا ما فشلت حماس في إعادة قراءتها للنسخة الثانية من شارون ، وتصعيد ومواصلة المقاومة في الضفة لإجباره على الإنسحاب منها ،وفرض الشروط الفلسطينية كاملة على الإحتلال ، لن يرحمها التاريخ في ملايين الصفحات

فهل تقرأ حركة حماس شارون (الطبعة الثانية) كما يجب أن يُقرأ ؟؟؟

الحقائق (3/10/2005).