هل يمكن التوصل الى نقاش مجد عن مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان؟ بات السؤال ملحاً بعد ما «اشيع» عن احتمال لجوء سورية الى «تحريك» المخيمات الفلسطينية، بهدف اضافة المزيد من الاضطراب الى المعادلة السياسية المتوترة راهناً في لبنان. اندفعت هذه المسألة في توقيت حرج. وجاءت، من الناحية الزمانية على الاقل، بعد محاولة اغتيال الزميلة مي الشدياق، والتي زادت من حساسية المزاج السياسي اللبناني العام تجاه سورية. وغنيّ عن القول ان الاحداث التي تدافعت منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في اول تشرين الاول (اكتوبر) 2004 ، صبّت في هذا الاتجاه.

وعلى رغم التركيز العالـــي للنقـــاش العام اللبناني راهناً على سورية، ربمـــــا يصح التذكير ببعض من الصــــور المتعددة التي تحيط بما يُشار اليه باسم «السلاح الفلسطيني» في لبنان. فقبل العام 1968، وكذلك قبـــل ان تشن اسرائيل اولى الحروب الوقائية (بالمعنى العدواني الذي يُستخدم في وصف حروب المحافظين الجدد في اميركا راهناً) في العام 1967، شهد لبنان سلاحاً «يُفكر» في الصراع العربي- الاسرائيلي، وبضمنه القضية الفلسطينية. وأثار ذلك السلاح الكثير من التعاطف، لبنانياً وفلسطينياً.

جاءت حرب 1967، وما تلاها، لتزيـــد من حدة المواجهة مع المشروع الاسرائيلي. ظهرت اولى اعـــراض الوهن في التأييد اللبناني العارم مع الظـــروف المعقدة التي قادت الى «اتفاقية القاهرة» في العام 1968. رآها بعــض اللبنانيين، ومعظم فلسطينيي لبنان، حلاً مرضياً. وجدها بعض اللبنانيين مُذلة. وفي مجلس النواب، تفرّد الراحل العميد ريمون ادة بمعارضة «اتفاقية القاهرة». تملك الخريطة السياسية في لبنان تعقيدات كثيرة. فمن المفارقة ان العميد ادة نسج علاقات اكثر ايجابية مع المقاومة الفلسطينية من بعض الاطراف التي وافقت على تلك الاتفاقية، انطلاقاً من حسابات تلك القوى في مناوأة النظام الشهابي، او الرغبة في ضرب المكتب الثاني (جهاز الاستخبارات اللبناني)، او المراهنة على الصدام بين المشروع الناصري والمقاومة الفلسطينية…الخ.

ليس ذلك للقول ان السلاح الفلسطيني كان موضع اجمـــاع لبنانــي، لكن للتذكير بانه دخل الى النقـــاش الوطني العام. سارت الامور بعدها في مسارات اشد تعقيداً، لتصل بالبلد الى الحروب الطاحنة بين عامي 1975 و1991، اي بين تفجر «حرب السنتين» والاطاحة بالعماد ميشال عون قبيل اطلاق مشروع «دولة الطائف». يتضمن هذا المدى الزمنـــي مساحة يصعب القول انها كانت موضــع اتفاق لبنانياً وفلسطينياً. يمكن ادراج ذلك في مسار النقد المطلوب لتجربة الحرب في لبنان، ومن الجميع.

وفي ذلك المدى عينه، التصقت بالسلاح الفلسطيني ظلال اكثر قتامة، بما في ذلك الانقسام الدموي حوله لبنانياً وعربياً: الدخول في قتال اهلي (لبناني) في بلد عربي وصولاً الى حد المشاركة في مقتلات الطوائف، وما سُمي (بلغة تحتاج الى نقد) باسم «التجاوزات الفلسطينية»، وتجاوز القرار الوطني اللبناني والتعدي عليه، والمذابح التي يصعب التعامي عنها مثل الدامور والعيشية وغيرهما، والتمدد العسكري في قرى شرق صيدا، والانحراف في مسار الصراع العربي - الاسرائيلي…الخ. يمكن القول ايضاً انه وُصف بتعبيرات ايجابية في احد جانبي الانقسام الاهلي، وخصوصاً تجربته مع الحركة الوطنية اللبنانية. وحتى تلك الصور «الايجابية» تآكلت تدريجاً. وفي معنى ما، يتخذ الاقتتال في مدينة صيدا وتدمير اسواقها دلالة رمزية كثيفة. وأعقب ذلك اضراب اول لمدينة عربية ضد المقاومة الفلسطينية، وبعده بأسابيع، جاء الاجتياح الاسرائيلي. تآكل من الداخل تلاه احتلال خارجي: معادلة مألوفة. لا يشكل استدعاء هذه الاحداث محاولة لتقويمها، ولا للبناء عليها، بل للقول ان النقد المطلوب للحرب في لبنان، يحمل في طياته الكثير من الصور التي يجدر تذكرها عند نقاش السلاح الفلسطيني. وفي السياق نفسه، فان مذابح صبرا وشاتيلا التي تلت خروج المقاومة وسلاحها (لم يقل القادة الجدد لحزب «حراس الارز» حرفاً عن مشاركتهم المفترضة في تلك المجزرة)، والتاريخ المرير والملتبس لحروب المخيمات تحمل تعقيدات اضافية لتلك القضية.

وراهناً، بعد اكثر من 13 سنة على اتفاقية اوسلو وما تلاها، تمر تجربة الدولة في الاراضي الفلسطينية المحتلة بتجربة قاسية مع السلاح المقاوم. ولعل ذلك مناسبة للقول ايضاً، ان العمل المسلح ضد اسرائيل في لبنان، الذي كان في اساس السلاح الفلسطيني، صار الآن شيئاً من الماضي.

وبعد الانسحاب السوري من لبنان، فان اغفال السلاح الفلسطيني عن الذاكرة الوطنية اللبنانية، يحمل خطورة، لبنانياً وفلسطينياً. أولم يساهم الإغفال في رسم المخيمات الفلسطينية، مثلاً، بصورة «الجُزر الامنية»؟ أوليس خطراً على الوضع برمته ان يُشار الى تلك الامكنة باعتبارها مصدر تهديد؟ والاخطر ان يؤدي اغفال تلك الامور الى فصول سيئة ودامية.

ثمة سيناريوهات عدة (معظمها رديء) عن سلاح المخيمات الفلسطينية (وبعضه خارجها). لنفكر في الامر كمن يقرأ في سيناريوهات افتراضية، وكأنه تدريب على التفكير بصوت مرتفع. ثمة سيناريو افتراضي سيئ ينطلق من تكريس وضع العداء بين لبنان وسورياة. اذ تروج اشاعات عن وجود من يسوّق لدى قادة لبنانيين نافذين نظرية مفادها اقامة نوع من «توازن الرعب» بين لبنان وسورية، عبر «تبنى» (مباشر او غير مباشر) للجماعات الاصولية المسلحة التي ترفع السلاح في وجه النظام في سورية. ويرى هؤلاء في الامر رداً على الضغوط السورية المتعددة استناداً الى اشياء عدة منها ادانة البعض سوريا حصرياً بكل التفجيرات التي شهدها لبنان منذ الاول من تشرين الاول (اكتوبر) 2004. الجزء الثاني من ذلك السيناريو الافتراضي السيئ يصبح نوعاً من التتمة. اذ تلجأ سورية الى الرد على ذلك التوجه، الذي ينطلق من ذهنية تساويها مع اسرائيل، باللجوء الى «اسلحة» عدة، منها ما قد يصل الى ايد فلسطينية. الى أي مدى يصح الحديث عن شقيّ هذا السيناريو المُرعب؟ هل صحيح ان ثمة في لبنان من يصغي لرؤية كهذه؟ ماذا عن سورية؟ يروج في لبنان ان جسد النظام الحاكم في سورية صار قابلاً للبس سيناريوهات (واحياناً افتراءات) كثيرة. لماذا وصلت سورية الى هذا الوضع في لبنان؟ يحتاج السؤال الى نقاش منفرد. وفي المقابل، ثمة احتقان سياسي في لبنان، يجعل الحديث عن السلاح الفلسطيني شديد الحساسية، خصوصاً ان بعض السيناريوهات الافتراضية الآخرى قد تحمل تهديداً للمخيمات وسكانها ايضاً. وتميل السلطة الفلسطينية الى محاولة امساك العصا من الوسط. وتضع سلاح المخيمات في سياق العملية السياسية في لبنان. وتحاول الا تجعله فصلاً تمهيدياً لتجريد «حزب الله» قسرياً من سلاحه. عند هذه النقطة، يُضاف تعقيد آخر الى المشكلة، خصوصاً مع تصاعد التوتر السني- الشيعي في المنطقة العربية انطلاقاً مما يجري في العراق.

اذاً، فالارجح انها مناسبة لاعمال العقل البارد والحسابات التي لا تستند الى الشعاراتية والانفعال وردود الفعل. يجدر فتح المزيد من الحوار، ومعالجة المسألة الفلسطينية الشائكة في لبنان من جوانبها المتعددة. وقد تعطي بعض الحلول الامنية مردوداً ما، ولوقت ما. والارجح ان مشاكل من هذا الوزن تحتاج الى مقاربة سياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية مُركبة. - ( الحياة اللندنية 5 تشرين اول 2005) -