إن ما شهدته جامعة الأزهر يوم الأربعاء الموافق 12/10 من اعتداء مجموعة من المسلحين على الحرم الجامعي، وطرد رئيس الجامعة وموظفين آخرين يشكل ليس ناقوس خطر بل هو الخطر بعينه الذي أصبح مجتمعنا يعاني منه. إن وصول الأمر إلى اقتحام الحرم الجامعي الذي يعتبر حرم علم مقدس، والاعتداء على أعلى سلطة ومكانه به يعني ضرب جميع القيم والاحترام للعملية التعليمية والقائمين عليها بعرض الحائط. وأن ذلك يشير إلى أن تجاوز القانون قد امتد إلى أهم وأقدس مؤسسات المجتمع التي ترفده بالكفاءات من أجل النهوض به وتقدمه. ويبرز الحادث نفسه أن الفلتان الأمني قد نخر عظام المجتمع ويهدد هيكله العظمي بكامله. و قد تزامن ذلك أيضاً مع خطف صحفيين أجانب من أجل نيل وظيفة هنا أو ترقية هناك. هل هذا هو مجتمعنا الفلسطيني المناضل؟ وهل يعكس ذلك ثقافة فوضى تجاوزت كل الحدود حتى الحدود التي ترسم في الأحلام؟ إن خطف صحفيين أجانب من أجل مكاسب شخصية يشكل الطامة الكبرى لمجتمع هو بحاجة ماسة إلى كل جهد صحفي سواء على الصعيد المحلي أو الدولي لشرح قضيته ونقلها إعلامياً إلى كل مكان على وجه الأرض. هذه الحالة التي حدثت مراراً وتكراراً ولم تنجح الأجهزة الأمنية في اخذ العبر لمنع تكرارها. وفي كل مرة يكافئ الخاطفين بدل أن يتم معاقبتهم ليصبحون عبرة لمن اعتبر حتى لا يستخدموا الأجانب كمطية لأغراض شخصية أو حل مشاكل عالقة مع السلطة هنا وهناك.

والحقيقة أن حالة الفلتان الأمني قد وصلت إلى مستوى لا يمكن السكوت عليه كمجتمع مناضل لم يكمل مشروعه التحرري ويواجه تحديات جسيمة تهدد مستقبله السياسي بأكمله.

إن الذي أوصل الحرم الجامعي إلى هذه الدرجة من فقدان هيبته واحترامه هو تعرضه المتكرر إلى تعديات تكاد تكون بشكل يومي من شجار بين الطلبة أو بين الطلبة والمحاضرين. والمشكلة الأهم هي عدم معاقبة الفاعلين أو الاكتفاء بعقوبات خفيفة نتيجة تدخلات عائلية أو تنظيمية أو سلطوية حتى وصل الأمر إلى اغتيال محاضر جامعي داخل مكتبه دون التمكن من معرفة الفاعلين وإحضارهم أمام العدالة من أجل ردع من تسول له نفسه بالمس بمن هم نخبة المجتمع ومعلمي أجياله.

إنني كمحاضر جامعي وبالطبع زملائي في جميع جامعات الوطن لا ننشد أو نطالب بالشكر والاعتراف بالجميل على دورنا في العملية التعليمية ومساهمتنا في تربية وتعليم أبناء المجتمع وتأهيلهم ليكونوا رجال المستقبل الذين ينهضون بمجتمعهم ويأخذوا بيده إلى التقدم والرقي، ولكن في الوقت نفسه لن نقبل بعد أن أفنينا عمرنا في الدراسة والتضحية بترك الأسرة وتحمل معاناة الغربة جهاداً في طلب العلم أن يكون رد الجميل لنا من أبناء جلدتنا هكذا. وحيث أن رئيس جامعة يهان ويطرد من جامعته فكيف سيكون هيبة واحترام باقي أعضاء الهيئة التدريسية أمام الطلبة. وكيف سيقف المحاضر الجامعي أمام طلبته وهو يشعر أنه وحتى داخل الفصل الجامعي مهدداً في أمنه وكرامته الشخصية، وأن أيادي العابثين قد تجرأت على الحرم الجامعي وطالت الكبير قبل الصغير داخله.

وحيث أنني أنتمي إلى جيل وصل به حد احترام المدرس والمحاضر إلى درجة التبجيل وأعلى من ذلك فإنني لا أتصور ما وصل له حال مجتمعنا من الانحطاط القيمي والأخلاقي لدى العديد من أبناء الجيل الجديد. فعندما كنا صغاراً كنا نتجنب السير في الشارع الذي نشاهد فيه المدرس رهبة وخشية واحتراماً له. وكان المدرس يشكل نموذجاً نسعى جميعاً إلى تقليده والاحتذاء به. ولكن اليوم نحن نعيش في مجتمع فقد نموذجه ولم يعد هناك بوصلة قيمية يمكن الاسترشاد بها والاهتداء بهديها. مجتمع تسود فيه روح قلة الأدب والذوق من قبل التلاميذ اتجاه معلمهم والطلبة صوب محاضريهم بل حتى الأبناء نحو آبائهم. مجتمع ضربت أجياله الجديدة بعرض الحائط كل ما هو حسن وكل ما يمت للأخلاق والقيم بصلة. مجتمع فقد نموذجه وفقد فضائله وسادت به ثقافة الفوضى والفهلوة ونكران الجميل وقلب ظهر المجن لكل شيء جميل حتى مشاعر الصداقة والأبوة.

ولذلك نكرر مراراً وتكراراً بأننا لسنا بحاجة إلى كلمة شكر أو اعتراف بالجميل ولكننا مع ذلك لسنا بحاجة أيضاً إلى الإهانة أو حتى تقبل القتل بحقنا.