الكل يعترف بوجود أزمة، وكثيرون يعبرون عن سخطهم ويصبون جام غضبهم على المسببين لها. وفي الوقت نفسه ثمة محاولات لتلمس طريق الخلاص، مرة باتفاق الهدنة واخرى بالاتفاق على ميثاق شرف يجنب الجميع خطر الفتنة والاقتتال. ولا ينسى الجميع التعويل على الانتخابات التشريعية وفضائلها الميسرة للاستقرار والرخاء. وللأسف فان خطوات الحل تبدو في الكثير من المرات متعثرة وقد تعصف بها احداث عرضية. وهذا يعود الى المعالجات المنقوصة التي لم تدخل الى جذور الازمة. فرغم اتفاق جميع القوى ومعظم الناس على الحاجة الماسة للوحدة الوطنية، ولاعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتوحيد الجهود على الاهداف الوطنية المشتركة، الا ان الخطوات العملية لتحقيق ذلك الهدف تتم باسلوب عشوائي وتجريبي بطيء.

كما نعلم يوجد تعددية سياسية وتنظيمية لها برامجها السياسية والاجتماعية المتقاطعة والمتوافقة في عدد من القضايا والمتناقضة في عدد آخر. وفي هذا الصدد تقول خبرة حركات التحرر الوطني والتجارب الديمقراطية ان طريق الوحدة الوطنية يبدأ ببرنامج شقه الاول سياسي ويضم اوجه الاتفاق وفي مقدمتها انهاء الاحتلال الكولونيالي الاسرائيلي، وشقه الثاني ديمقراطي لغرض المنافسة وتبادل مواقع النفوذ بين الاقلية والاكثرية بشكل سلمي. واذا كانت بعض التجارب السابقة قد فصلت بين النضال الوطني والنضال الديمقراطي، ودفعت ثمن الفصل غاليا، فان الفصل راهناً في عصر العولمة وثورة المعلومات والاتصالات لم يعد ممكناً. فالديمقراطية حاجة ضرورية لا غنى عنها لتحقيق الاهداف الوطنية، كانهاء الاحتلال وبناء الدولة وما يستتبع ذلك من دعم دولي وعلاقات تعاون مع الشعوب الشقيقة والصديقة. والديمقراطية حاجة ضرورية لمقاومة الفساد وسوء استخدام السلطة والفوضى وعدم التقيد بالنظام والقانون واستخدام العنف الداخلي والتعصب.

الديمقراطية ليست تقليعة للاستهلاك الخارجي او وصفة سحرية معزولة عن حياة البشر. الديمقراطية منظومة من القيم التي تشكل في مجموعها ثقافة متكاملة من الاعتدال والتسامح والانفتاح والتكيف واحترام الآراء الاخرى والتعاون والمشاركة والمساومة وإيجاد التسويات في العلاقة بين الأنا والآخر داخل المجتمع. وتبني هذه الثقافة يعني التسليم بانه لا يوجد من يحتكر الحقيقة، ومن يقدم اجابة صحيحة وشافية على الاسئلة التي يطرحها الناس. ويعني تجاوز الاطروحات الصارمة، كالتطرف والاقصاء والشخصنة والخضوع الاعمى والرفض العدائي والسلبية والتشاؤم والخوف من المستقبل وعدم الثقة. والسؤال هل نملك ثقافة ديمقراطية؟ السلوك اليومي والممارسة العملية تشير الى توغل البعض في ثقافة غير ديمقراطية، من خلال طرح نظام اجتماعي شمولي بديل او نقيض للنظام القائم قيد التشكل، نظام لا يقبل ولا يعترف بالتعددية السياسية والثقافية ويرفض الانفتاح الثقافي وكل الافكار وانماط السلوك التي تنتمي للحضارات الاخرى، وهو بالتالي لا يحتمل الا انقساماً عمودياً في المجتمع. فهذه الثقافة لا تحتمل الشراكة مع ما تعتبره نقيضا لها، لذا فانها تسعى الى ايجاد مؤسسات مستقلة في حقول الاقتصاد والمال والتربية والدين والصحة، تمكنها من خلق مصالح وتنفيعات ملموسة تقود الى السيطرة على جزء من المجتمع توطئة للسيطرة الاشمل. ويصبح هذا الاتجاه وفق هذه الحالة مجتمعا داخل المجتمع وسلطة داخل السلطة. وتصبح الديمقراطية وسيلة لاحراز التقدم وصولاً الى السيطرة الشاملة ليس الا. ان هذه الثقافة هي المسؤولة الى حد كبير عن الازمة وتجلياتها الصدامية اليومية. فامتلاك الحقيقة والاجابة الصحيحة الناجزة المقترنة بعدم الاعتراف بشرعية الآخر وشرعية الاختلاف معه، وتعبئة الناس بروح البديل عوضا عن الشراكة تحول اي قضية خلافية بسيطة الى صراع قابل للانفجار، وهو ما حدث اكثر من مرة في قطاع غزة. وفي ظل هذه الثقافة اللا ديمقراطية المتطرفة لا يمكن توحيد المجتمع وتفجير طاقاته وتعزيز صموده وتمكينه من تحقيق اهدافه الوطنية، ولا يمكن تحقيق وانجاز وحدة وطنية في اطار من التعدد السياسي والتنوع الثقافي والاجتماعي. ولا شك في ان ادنى اشكال الالتزام بالديمقراطية تتطلب البحث عن تجميع اوجه الاتفاق في برنامج ديمقراطي يؤمن حقا بالتعددية وتبادل السلطة والسيطرة على مركز القرار الوطني باسلوب سلمي، ويؤمن بحرية التعبير، ويعمل جاهداً لوضع حد للانقسام الذي يهدد المشروع الوطني برمته. وبدون ثقافة ديمقراطية تبدأ بالنخبة السياسية وتتغلغل في صفوف الناس فان الانتخابات لا تعمل غير تقاسم النفوذ، وتفقد مضمونها الديمقراطي.

ما تقدم لا يعني ان خطرا واحدا يواجه الديمقراطية، فللديمقراطية مقومات وشروط. "والشرط المسبق للديمقراطية هو وجود فئة سياسية قوية من النخبويين الذين قرروا الالتزام بالديمقراطية والعمل على توسيع نطاق هذا الالتزام وتحوله الى قناعة فعلية عميقة، عندئذ يصبح هناك فرصة افضل لاقامة الديمقراطية". فلا ديمقراطية بدون ديمقراطيين حقيقيين. "وتبدأ الديمقراطية عندما تقرر فئة صغيرة من النخبويين بقبول التعدد داخل الوحدة وخوض صراعاتها سلمياً في اطار قوانين ديمقراطية". ويرتبط التغيير الديمقراطي ايضا بنمو الطبقة الوسطى وبانتشار التعليم العالي والانفتاح على التجارب الديمقراطية في العالم. كما ان التقدم الاقتصادي يحدث نزوعاً نحو الديمقراطية والتعددية، وخاصة انه يرتبط بتغيرات اجتماعية مترافقة مع دخول اجيال جديدة وفئات ذات اهتمامات مختلفة تتطلب استيعاباً ملائماً في بنية المجتمع.

ان الحفاظ على الديمقراطية يتطلب مواءمة التطور المتتالي في الخرائط الاجتماعية مع الخرائط التنظيمية وادخال التعديلات الضرورية بما يضمن تعاقب الاجيال وفي الوقت المناسب. وفي هذا المجال لدينا مشاكل، سواء على صعيد توفر نخبة تتبنى الديمقراطية وتمارسها وتدافع عنها بقوة. او على صعيد وجود ديمقراطيين بنسبة كافية ومتزايدة يرفعون لواء الديمقراطية ويذودون عنها بشجاعة وحكمة. - (الأيام 18 تشرين اول 2005) -