لا أحد يدري بالضبط ما إذا كان لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس في واشنطن مع الرئيس الأمريكي جورج بوش قد أعد له جيدا كما يشترط عباس للقائه مع شارون علي أساس أن المطلوب ليس لقاءات علاقات عامة والتقاط صور وإنما لقاءات عملية تثمر نتائج فعلية علي الأرض. ربما يستطيع أبو مازن أن يتمسك بهذا الشرط بخصوص قمته مع شارون التي أعلن لها أكثر من تاريخ وتأجلت أكثر من مرة، لكن مع بوش الأمر مختلف فالمرجح طبعا ـ كما جري في زيارات كثيرة لآخرين إلي واشنطن ـ أن البيت الأبيض هو من يبت في النهاية في مدي مناسبة التوقيت والشخص وجدول الأعمال.
الإعداد الجيد لزيارة الرئيس الفلسطيني إلي الولايات المتحدة مسألة جوهرية وليست أبدا شكلية أو بروتوكولية لأن هكذا زيارة ليست مناسبة ليعيد فيها الرئيس الأمريكي ما سبق له أن قاله عشرات المرات عن دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام إلي جانب إسرائيل وضرورة وقف ما يصفه بالإرهاب وتفكيك منظماته فذاك مما حفظ الآن عن ظهر قلب، بل وصيغ رسميا في وثيقة خريطة الطريق التي عوضت الآن عمليا كل القرارات الدولية حتي باتت المرجع الوحيد الذي تعود إليه كل الأطراف بلا استثناء، لذا فالمطروح الآن بإلحاح، وخاصة بعد الخروج الإسرائيلي من غزة، هو هل أن إسرائيل تنظر إلي السلطة الفلسطينية والرئيس عباس علي أنهما شريكان ستنسق معهما الخطوات اللاحقة بشكل منتظم أم أنها ستظل تتصرف منفردة غير عابئة بالمرة بالطرف المقابل الذي يفترض أن يتوقف علي التعاون معه تقدم الأمور أو تكلسها.
بعد أسابيع قليلة تمر الذكري الأولي لوفاة القائد الرمز الشهيد ياسر عرفات الذي حملته واشنطن وتل أبيب كل مآسي الشرق الأوسط حتي تحول وصفهما له بأنه العقبة أمام التسوية تعويذة لا يمل الحليفان من تكرارها بمناسبة ودون مناسبة ، وفي يناير المقبل يكون قد مضي عام علي انتخاب محمود عباس خلفا له فما الذي حدث في الأثناء؟ لا شيء سوي خروج أحادي الجانب من قطاع غزة وتحويله إلي سجن كبير لأهله أفسدت نكهة اندحار الاحتلال عن بقعة هامة من الأرض المحتلة. ولهذا فالمطلوب الآن من واشنطن أن تشعر الرئيس الفلسطيني وشعبه أن ما جري هو فعلا خطوة نحو انجلاء الغمة وقيام دولة مستقلة متصلة الأطراف علي كامل الضفة الغربية وغزة وليس علي أرض مثقوبة كقطعة الجبن الفرنسية علي حد وصف بوش نفسه كما نقل عنه بعضهم، كما أن المطلوب كذلك الكف عن مدح شارون ودفعه في المقابل إلي خطوات حقيقية لاحترام خطة الطريق، وليس شيئا آخر، وأولها تجميد الاستيطان الذي يجري تسمينه بسرعة في الضفة الغربية مع ما يشبه تقريبا رسما نهائيا للحدود بين إسرائيل والضفة يضم الكتل الاستيطانية وينشأ معابر علي مزاجه في وقت يتكفل فيه الجدار الفاصل بالبقية.
في أجواء كهذه تضمن الحد الأدني من التقاط الأنفاس وعودة ولو جزئية للحياة الطبيعية في المدن الفلسطينية يمكن للفلسطينيين أن يتوجهوا بحماسة إلي صناديق الاقتراع في يناير المقبل لاختيار نوابهم في المجلس التشريعي ممن سيعملون علي الدفع في هذا الاتجاه الإنفراجي وإلا فسيجري التصويت بكثافة لكل من اختار نهجا آخر، ربما ليس اقتناعا بواقعية أطروحاته ولكن فقط نكاية في الإسرائيليين والأمريكيين علي أساس هي مخروبة...مخروبة !! وهذا أهم ما يفترض أن يفكر فيه بوش وهي يقف مع عباس مبتسما لالتقاط الصــور.