هناك واقعة فلسطينية مفصلية وحاسمة أنتجت واقعاً فلسطينياً لا يجوز تجاهله، وإن كان هناك من يجهله أو يتجاهله، فلا بد من السعي الحثيث عبر الحوار الى جعل الوعي به أكثر عمومية وعمقاً فلسطينياً بشكل عام، وفتحوياً بشكل خاص. والواقعة هي وفاة الرئيس ياسر عرفات، فمنظمة التحرير الآن والسلطة الوطنية وحركة فتح من دون رئيسها التاريخي والشعب الفلسطيني من دون الختيار والوالد والقائد العام ورئيس السلطة والرمز، أما المرموز وهما فلسطين ومنظمة التحرير الخ... فهما باقيتان، وهما أكثر وأشد تعقيداً في غيابه، ولكن وصف التعقيد ليس وضعاً سلبياً دائماً، لأن تبسيط المسألة في حياة الرئيس عرفات واختزالها بشخصه الكثيف جداً، والذي ازداد كثافة بالحصار والسم، عقوبة له من اسرائيل وأميركا على ممانعته ومعاندته وقراره بأن يتوقف عند ما حصّله من أوسلو بنقل الشوكة الفلسطينية من الخارج الى الداخل، وما ترتب على ذلك من انكشاف في الخطاب والايديولوجيا الصهيونية، حيث انكشف ان هناك شعباً فلسطينياً علاقته بارضه وعلاقة أرضه به، طبيعية وليست مصطنعة كغيرها ولا تتكل على تقادم الزمن لتظهر وكأنها طبيعية.
توقف عند العصفور الذي أصبح في يده، وأدار ظهره للعشرة على الشجرة، متكئاً إلى صبر شعبه الذي استمد منه صبره، لكي يتعامل مع مسار المستقبل الفلسطيني خطوة خطوة، وعصفوراً عصفوراً، من دون تسرع أو تباطؤ.
هذا التبسيط كان كافياً لأن يتحول القائد الذي أنتجته المسيرة والوقائع الفلسطينية الحلوة والمرّة، الى مصدر يبدو وحيداً وإجبارياً لإنتاج الوقائع. ولكن هذا لم يعد يكفي، صار من اللازم ان تكون هناك سياسة فلسطينية، تمر بالرموز والرمزية، لا تتخطاها ولكنها لا تقف عندها، على ان هذه الرموز لا بد من اعادة انتاجها بشروط مختلفة، ومن أهم الشروط هو جماعية الرموز، والشعوب والقضايا التي تنتج رمزها الفرد أو الفردي أو الفريد في مرحلة ما، تكون بالمعطيات نفسها قد عطلت إنتاج خليفة له أو مثيل، فلا بد اذاً من ان تتحول الى انتاج رمزيتها التي تقوم على الانجاز السياسي لا على الوهج والوجدان والشعر الجميل والموقف الفدائي الجذاب.
اذاً فاعتبار ياسر عرفات نهجاً ومرجعية دائمة، هو في النهاية ضد ياسر عرفات، لأنه يحوله الى معطل للحاضر والمستقبل بالماضي.
حاضر فلسطين والسلطة والمنظمة وحركة فتح، هو أبو مازن، الذي لا يستطيع ان يعيد انتاج رمزية فردية موازية لرمزية ياسر عرفات، بل من الخطأ ان يفكر في انتاجها، لأن معنى ذلك هو انتاج الصمود، من دون تحقيق وقائع ملموسة بناء على هذا الصمود، ما يعني ان المسيرة الفلسطينية تصبح امام خطر التراجع والتآكل. اذاً فلا بد من مرجعية جديدة، منتجة في ظروف مختلفة وامام اسئلة مختلفة، ومحمود عباس الرئيس المنتخب جزء منها، هي المفروض ان تكون قد أنتجته ولا بد من ان تستمر في انتاجه، ليعود هو بدوره فيسهم في انتاجها وتطويرها، أي انه لا بد من الانتقال من القائد ضمانة القضية، الى القضية ضمانة القائد. وعندما اصبح محمود عباس رئيساً، كانت رئاسته نتيجة شروط أملاها الواقع عليه وأثبت توفرها فيه بنسبة او بأخرى. وهكذا اصبحت الحالة مشروطة برئيسها والرئيس مشروطاً بالحالة، اذاً فلا بد من ان ترتفع الحالة الى مستوى وضع شروطها الدائمة على رئيسها ولا بد للرئيس من ان يقرأ دائماً وبامعان لائحة الشروط عليه.
تقديري ان محمود عباس حتى الآن لا يحسن الى حد كبير قراءة شروطه والشروط عليه، ولكن ما يضعف موقفه ويشوش هذه القراءة هو ان كثيرين من قيادات حركة فتح وكوادرها والناشطين فيها ما زالوا مصرين على استقبال ماضيهم، ماضي ياسر عرفات فيهم، بدل استقبال مستقبلهم في محمود عباس الجالس قلقاً على قمة الخط البياني السياسي مرتبطاً بما دونه ومن دونه في التراتب السياسي التنظيمي لا في الفارق المعنوي بين القيادة والقاعدة. هذا المستقبل، الذي يتحول فيه محمود عباس او على طريقه الى مرجعية بما هي الرئاسة مسؤولة اولى عن القرار على مقدار ميسور من الرمزية التي لا بد منها ولا يمكن افتعالها او استرجاعها بشكل مرضٍ. هذا المستقبل هو الذي ترتاح فيه روح أبو عمار الذي لا يمكن ان يرضى بتكراره المستحيل، فاذا تكرر فسيتكرر مشوهاً عن أصله، اذاً فلا بد من ان يتاح المجال لأن يكون محمود عباس هو محمود عباس. وبذلك تقر عين أبو عمار في ضريحه، وتستقيم لفتح والمنظمة والسلطة مرجعية يقف على رأسها محمود عباس ولا يختزلها ولا تلغيه.
إن النوستالجيا وحدها لا تصنع مستقبلاً، والماضي ليس مثالاً ناجزاً، قصاراه ان يكون جزءاً من مثال قيد الانجاز دائماً، اذاً فلا بد من حلم ورؤيوية وواقعية تنتج وقائع حتى تستقيم الامور.
إن محمود عباس الآن هو ياسر عرفات المعاصر وياسر عرفات الماضي هو محمود عباس الراهن، واذا لم يكن ياسر عرفات الماضي يتجسد في محمود عباس الآن فإنها الكارثة، واذا لم يكن محمود عباس مستحضراً لروح ياسر عرفات فإنها القطيعة القاتلة، والصواب والمجدي هو مركب من القطع والوصل وفاء للأصل وتسهيلاً للخلف على قاعدة الاستيعاب والتجاوز للسلف. اما ان تنقسم، فقسم منا مع عرفات ضد محمود عباس وقسم من محمود عباس ضد عرفات، فإنهما باطلان قاتلان، ومن كان مع عرفات فلا بد من ان يكون مع محمود عباس ومن كان مع محمود عباس فلا بد من ان يكون وفياً لياسر عرفات... على ان جرعة الجماعة في عمل وأداء وحركة محمود عباس ومرجعيته لا بد من ان تكون أكبر بكثير من جرعتها مع ياسر عرفات، لقد كان عرفات كافياً ولم يعد كافياً، وهو لن يكون كافياً الا بصلاحيات واسعة وقوية وتأتي من مصادر عدة، من السلطة التشريعية والتنفيذية والسياسية (منظمة التحرير) والتنظيمية – حركة «فتح» والشعبية (الانتخابات) والوحدوية، (التفاهم مع الفصائل) ووحدة حركة فتح وحيويتها وتجديد دمها والحفاظ على تراثها هو الرافعة لكل الاعتبارات الاخرى. - (الحياة اللندنية 19 تشرين اول 2005) -