"كتاب حياتي ما في مثله كتاب
الفرح في سطرين والباقي كله عذاب"
فرحة البرغوثي
عرفتها من خلال صوتها القوي الواثق، الذي جاءني عبر مسجل صوتي، ضمن مشروع التأريخ الشفوي، الذي بادرت إلى تنفيذه وزارة المرأة، والذي اشتمل على الفترة السياسية، منذ الثلاثينات حتى أواسط الستينات. سمعت صوت قائدة جماهيرية مناضلة، لا ينحصر وجودها بزوجها الحاج صالح البرغوثي، الذي قضى منذ عام، وولديها السجينيْن المناضليْن: نائل وعمر البرغوثي، اللذيْن يقضيان فترة حكم طويلة، في سجون الاحتلال. تحدثت الحاجة فرحة البرغوثي، ذات الشخصية القوية الصلبة، عن دور المرأة منذ الثلاثينات، متسلحة بنظرة نقدية، للواقع السياسي في فلسطين، ولتهميش دور النساء. تحدثت عن دور مميز في إمداد الثوار بالطعام والشراب والمأوى:
"هاظ يخبينه، وهاظ يطبقن الباب عليه، وهاظ مطارد يودن إله أكل، شو بقين حياتهن أصعب من حياة الزلام، يعني النسوان حزينات مالهنش دور؟! بس هم دايماً متميزين الزلام عليهن". ثم ركزت في روايتها على دور النساء الفاعل، في الحفاظ على السلاح:
"إمي زامّة سلة زيتون على راسها، قاموا اطيّحوا السلحلك، مدفون فيه، سلحلك الفشك، قامت لمّن شافت الجيش، حطّت ودفنت السلحلك في الأرض، وزمّت الزيتون وروّحت".
قادت فرحة المظاهرات ضد الاحتلال؛ الأمر الذي أدى إلى اعتقالها مرتين في سجن المسكوبية، في القدس، ومن الملاحظ وعيها لدورها القيادي، في انتفاضة العام 1987م، وفي انتفاضة الأقصى:
"يعني على زمن اليهود إني ما انسجنتش؟! أنا عن الجسر أخذوني وكلبشوني عن الجسر، حتى إلي صورة بقت وأنا عالجسر، وحطوني في المسكوبية، وأنا جاي من عمان، حطوني في المسكوبية تسع أيام، وأنا مظرب عن الطعام بالمرة، في الانتفاظة هاظ الحكي، وأنا جاي من عمان ويجيبوا لي الأكل، وكل ساعتين تحقيق، كل ساعتين تحقيق، وبنتي إنسجنت ودفع أبوها عنها غرامة، في كروم جفنة زقطوها، وهي تظرب في حجار، بقت في المدرسة، ودفع عنها وثاني مرة أخذوني من شارع القدس، وإحنا في المظاهرة، مهو حنا الشاب (أمسك بالشاب وألقاه على مقدمة السيارة) على بوز السيارة، وصار يظرب فيه، أنا جيت نتعته من شعره، وقام الشاب شرد، لمّن الشاب هرب، هو ظربني، هان طلعت صورتي في الجريدة، وأخذوني عالمسكوبية، خطرتين أنا إنسجنت في المسكوبية".
"آه يا خالتي، شو بدي أقول لك اكثير، في الصليب، والله ثمانية عشر يوم بس غير شربة المي، اطلعت خاسة ثلاثة عشر كيلو، هذا وأنا معتصمة، وبعدين في الآخر في المسيرة، وقعت وأخذوني على المقاصد، أنا إللي دايماً قايدة المسيرة، دايماً أنا اللي ابدأ وهن يلحقن".
تمتعت فرحة بحس نقدي نسوي، وجرأة بالغة؛ الأمر الذي جعلها تعبر عن رأيها دون مواربة، كما تميزت بفطنة وذهن يقظ، جعل حديثها مترابطاً مدعوماً بمنطق قوي، أما بالنسبة للأشعار والأغاني التي سمعتها عبر صوتها، فقد أبدعت في تأليفها بحس عفوي، وغنتها بصوت كله شجن، ومن الملاحظ أن كلماتها تربط ما بين الحنين والقوة، رهافة المشاعر وقوة الاحتمال، الموقف السياسي والإحساس الإنساني:
"قلت أنا: بالله يا رايح احكي الصحيح/ قلهم عدد فش تصريح/ بناشد المسلم مع المسيح
لا ينسوا الشباب جوا السجونا/ بالله يا رايح تزور الغالي/ قول له امك رجعت عن الدوالي وأنا بناشد كل الإسلام/ لا ينسوا الشباب جوا السجونا/ بالله يا رايح على الغالي زيارة
قول ل إمك رجعت فش زيارة/ لومي وعتبي على الوزارة/ حتى عالسجن ما بودونا".
كما نلمس من خلال كلماتها ومواقفها، حساً وحدوياً، من خلال إيمانها بالتعددية السياسية، وبالوحدة الوطنية. آمنت بنبل أهداف السجناء والمقاومين جميعاً، الأمر الذي جعلها تخاطبهم دون تفرقة، وتناضل مع غيرها من المناضلات والمناضلين، وأمهات السجناء، وزوجاتهم، وأمهات السجينات، وأسرهم، لإطلاق سراحهم جميعاً دون استثناء:
"اللي في السجن كلهم أولادي/ واللي انسجن لأجل البلاد/ ولومي وعتبي على هالقيادة
وحتى عالسجن ما بودونا/ اللي في السجن كلهم أبطال/ واللي انسجن لأجل الأوطان".
"حيّوا الثورة حيّوها/ حيّوا اللي أسسوها/ أخذوا عمر بني/ يمّه الغالي علي/ ما ظلّش عندي شباب/ وأنا مين يسليني/ مين يعبر علي بكير/ ويقولي: صباح الخير/ يمّه يا ابني الكبير/ وإنت الغالي علي/ قالوا: السهر علينا/ ليش غدروا فينا/ قبل ما سهيت عينينا
طوقونا الدورية/ لا صديق ولا رفيق/ يسهر لنا عالطريق/ بقينا في بيت عتيق/ وقبضوا على الخلية/ الخلية خمس أشخاص/ نضالهم عالعين والراس/ فتح وفتح انتفاضة/ حماس وجبهة وديمقراطية/ ومعهم البطل خالد/ في وطنه بجاهد/ وغيره عالكرسي قاعد/ بيساوم عالقضية".
ويتجلى حسها الإنساني، في تعبيرها من خلال الغناء، عن شوقها ولوعتها لأحبابها داخل السجون:
"يا طير الطاير سلم عليهم وطالت الغيبة واشتقت ليهم ودخلك يا رب افرجها عليهم وأحباب القلب بيجوا يسلونا يا طير الطاير في الجو العالي سلم عالشباب ورا القظبان ياما افرج عنك نائل يا غالي وشباب الثورة كلهم عموما
يا طير الطاير سلم عليهم وطالت الغيبة واشتقت ليهم راحوا من إيدينا ورحنا من إيديهم وخوفي على طول العمر ينسونا لأكتب سلامي على محرمتهم شو اللي حرق قلبي إلا فرقتهم الله أكبر ما أحلى عودتهم واحباب القلب بيجو يسلونا لأكتب سلامي عالمحارم عاللي عشرين سنة في السجن نايم لأكتب سلامي بمحرمة زرقا عاللي جافونا وطالت الفرقة".
*****
رحلت والدة الأسرى، الحاجة فرحة البرغوثي، في شهر تشرين الأول، 2005-10-22 دون أن تكتحل عيناها برؤية ولديْها وأحبائها. يا أم السجينيْن، بل يا أم السجناء، يا أمنا؛ سوف نكون أوفياء لكل سجناء الحرية، ولن نهدأ حتى نرى أحباءنا جميعاً يتنفسون هواء نقياً، ويبنون وطنهم الحر بسواعدهم. وسوف تبقى أغنياتك وكلماتك وسيرتك محفورة، في ذاكرة شعبنا الفلسطيني