وقاحة ما بعدها وقاحة، ان تطلب اسرائيل من مصر إغلاق حدودها مع قطاع غزة. وفي الاساس كان «الاتفاق» على إلغاء معبر رفح قراراً متعسفاً وابتزازياً، اشترطته عصابة شارون لإكمال انسحابها من قطاع غزة، ولم ينظر طرفا الاتفاق في التبعات الانسانية السيئة لهذا الإلغاء. فما معنى الانسحاب إذا كان هدفه اقفال القطاع وترسيخ وضعيته كسجن لأهله، محاصر من كل الجهات. والمسألة ليست فقط مسألة تهريب اسلحة، انها أولاً مسألة بشر يريدون ان يزوروا ذويهم في الجانب الآخر من رفح ويسعون الى استراق أولى نسمات الحرية بعد زوال مزيف للاحتلال.

سيقول مجرم الحرب شارون ان المشكلة أصبحت الآن بين المصريين والفلسطينيين، فهل انسحب ليعين مصر بديلاً من قوة الاحتلال تقوم بالمهمة نفسها؟ ليس في نية القاهرة ان تمارس هذا الدور، لأنه ليس اساساً في صلب سياستها.

وقاحة ما بعدها وقاحة ان يصرح شارون، وهو ذاهب الى القمة العالمية في نيويورك، بأن مستوطنات جديدة ستقام في الضفة الغربية... ومع ذلك سيتلقى التهاني على خطوته «الشجاعة» بالانسحاب من غزة، ولعله سيضحك كثيراً في سرّه والعلن لأن العالم يشرب المقلب ويستسيغ الخدعة الاسرائيلية، فهو منذ 11 ايلول (سبتمبر) 2001 لا يحصد سوى المكاسب لأن الولايات المتحدة استعدت العرب وغرقت في متاعب العراق ولم يعد لها سوى انتهاج الارهاب الاسرائيلي لتتمكن من الصمود متمثلة بصمود الاحتلال الاسرائيلي 38 عاماً في غزة.

وقاحة ما بعدها وقاحة، ان تتبنى الولايات المتحدة مطالبة اسرائيل بعضوية مجلس الأمن، وكأن هذا هو الاصلاح المنشود للأمم المتحدة، او كأن واشنطن لم تعد تعترف بما يسمى «خريطة الطريق» التي تنطلق اساساً من واقع ان اسرائيل دولة تحتل ارضاً ليست لها. الأميركيون والاسرائيليون اعتقدوا طويلاً انهم يستطيعون تغيير الحقائق بالإعلام، أو بمجرد تفعيل منظومة ضغوط على دول عربية وغير عربية لتقدم تنازلات، لكن الحقيقة الوحيدة المزعجة ان اسرائيل مضطرة لإيجاد حلول حقيقية مع الفلسطينيين وإلا فإنها ستواجه أزمة مستمرة. ولن يفيدها ان تطبع دول العالم علاقاتها معها، و «التطبيع» شيء وقبول الاحتلال وممارساته الوحشية شيء آخر.

وقاحة ما بعدها وقاحة، ان يدين الوزير المعاق سلفان شالوم إمكان ملاحقة ضباط اسرائيليين في بريطانيا. فهو يعتقد، كسائر أفراد العصابة الشارونية، ان اسرائيل تمكنت من إلغاء شيء اسمه العدالة من القاموس الدولي كلما تعلق الأمر بالفلسطينيين. لكن أفضل ما في تلك الملاحقة للضباط أنها تستند الى منظمتين لحقوق الانسان، اسرائيلية وفلسطينية. والأهم انها تشير بقوة الى فشل القضاء الاسرائيلي في ان يكون مرجعاً للحق والقانون. كان هذا القضاء ولا يزال في فضيحة متمادية، وآن لها ان تنكشف. وفي الاصل لم يكن هذا القضاء ذا صفة للنظر في قضايا ناجمة عن وضعية غير قانونية هي الاحتلال. ثم انه استخدم لتغطية سرقات الارض وتبرئة مجرمي الحرب وتبرير جرائم تعذيب الاسرى، وعلى نحو تجاوز بكثير ما تهتم به «فتاوى» المتطرفين ممن يدّعون الاسلام.

وقاحة ما بعدها وقاحة، في السياق الاسرائيلي - الأميركي نفسه، ان تعطل الولايات المتحدة للمرة الثانية هذه السنة تفاهماً بين الدول الاعضاء في الأمم المتحدة على مسألة الحد من التسلح ومنع انتشار اسلحة الدمار الشامل. واشنطن تريد الحد والمنع في اتجاه واحد لا يعنيها ولا يلزمها، بل لا يعني اسرائيل أو يلزمها.

كل ذلك على وقع التهديد بعمل عسكري ضد ايران بسبب سعيها الى تطوير طاقتها النووية. كيف تستقيم صدقية الحملة على ايران في ظل الصمت على ترسانة اسرائيل النووية، وكيف يطمئن العالم الى صواب هذه الحملة إذا كانت الولايات المتحدة ترشح اسرائيل للقيام بضربة جوية للمفاعلات الايرانية. انها سياسة متجهة بكامل وعيها الى تخريب المنطقة أمناً واقتصاداً.

وقاحة ما بعدها وقاحة ان يدير جورج بوش أذنه الصماء الى ما يحدث في العراق ليعلن ان الولايات المتحدة ستنتصر حتماً في العراق. فإما انه لم يعد يتلقى تقارير دقيقة عما يجري، وإما أن اعوانه باتوا يعرفون ان الأخبار السيئة تزعجه فيحجبونها. الأرجح انه يعرف ويتعامى. فحصيلة يوم دموي واحد، أمس، في العراق كافية لإفهامه ان انزلاقه في مخططات حاخامات إدارته قاده الى حرب على الارهاب قوّت الارهاب وان حربه على العراق أسقطت صدام حسين لكنها أغرقت أميركا في مستنقع لا يليق إلا بمجرمي الحرب الاسرائيليين.

الحياة اللندنية (15/9/2005).