عندما يصرح شارون علنا في اكثر من مناسبة وفي أكثر من موقع بأن عملية البناء في الـمستوطنات ستستمر، ويبدأ في تنفيذ ذلك بتوسيع مستوطنة أريئيل والبناء في الأغوار الفلسطينية، وعندما يسعى لضم مستوطنة معاليه أدوميم الى القدس، بداية بالإعلان عن مخطط لبناء آلاف الوحدات السكنية في محيطها، ومن ثم بنقل موقع الشرطة الاسرائيلية قريبا منها، وعندما يجري استكمال بناء الجدار ضاما الـمزيد من الاراضي الفلسطينية الى إسرائيل، وتحويل الحواجز الى معابر دولية، وعندما يعلن أيضا أنه سيقوم بانشاء منطقة عازلة بعمق 150 مترا داخل أراضي غزة، فإن مستقبل الصراع بعد خطوة الاخلاء من غزة لا يتجه الى الحل وإنما الى مزيد من الصراع.
عندما يقرر شارون أن الانتخابات التشريعية القادمة في الاراضي الفلسطينية الـمحتلة هي خطيئة ارتكبتها السلطة، بموافقتها على مشاركة حماس فيها وانه سيقوم بمنع حدوثها، فهو يعلن صراحة ان الاراضي الـمحتلة هي شأن داخلي اسرائيلي ليس من حق احد التدخل فيه، وان الديمقراطية ليست اكثر من قميص او بنطلون يمكن تفصيله عند خياط لا تشترط فيه الـمهارة، ويمكن بالطبع الاستغناء عنه إذا لـم يكن مناسبا.
بإمكان شارون بالتأكيد الاستفادة من خطوته بإخلاء غزة.. بالرغم من أن الواقع يقول إن غزة قد تحولت الى سجن كبير باستمرار سيطرة اسرائيل على معابرها، بما فيه الـمعبر الوحيد في رفح الذي لا تمتلك اسرائيل وجودا عليه، لكنه ينتظر اذنا منها لتشغيله، وبإمكان شارون وخصمه شالوم أن يقوما بزيارة العواصم العربية واحدة تلو الأخرى، احتفالا بهذا الانجاز، والتأكيد على أن إسرائيل قد قدمت "السبت" ومن حقها الحصاد، ويمكنها أيضا الاستمرار في تسويق صورة "الـمستوطن الضحية" الذي قلع من أرضه في غزة، في مقابل صورة "الفلسطيني الهمجي" الذي اقتحم الدفيئات الزراعية والـمنطقة الصناعية وقام بتخريب ما هو له. يمكن لاسرائيل القيام بأكثر من ذلك إن ارادت.
لكن ما لا تستطيع اسرائيل انكاره ان ما يجري على الارض اكبر بكثير من الاهداف التي تسعى اليها. ففي مقابل سعيها لابتلاع الـمزيد من الاراضي الـمحتلة، وسعيها لاضعاف السلطة الوطنية، تتعزز على الارض قوة الـمقاومة الاسلامية، عشرات الآلاف حملوا الاعلام الخضراء وطافوا بها غزة في الايام الـماضية، الآلاف منهم كانوا يحملون السلاح، الـمؤتمرات الصحافية لقيادتهم تذكرنا بالـمؤتمرات الصحافية لقادة حزب الله عندما انسحبت اسرائيل من لبنان، وانضباطهم يعكس قدرتهم على الاستمرار في الـمعركة، توسيعها أو وضع ضوابط وحدود لها، هنالك ما يمكن استنتاجه هنا: الـمقاومة الاسلامية قادرة على اخذ زمام الـمبادرة وعلى إسرائيل والـمجتمع الدولي أن يقررا، هل يرغبان بحل مع سلطة محمود عباس، وهي السلطة الوحيدة الشرعية الـمتبقية من أوسلو، أم مع الـمقاومة الإسلامية.
وفي مقابل نجاح عملية "الفتح" للعواصم العربية والاجتماع بوزراء "التوسل" في ردهات الامم الـمتحدة، هنالك ازدياد حاد في منسوب الكراهية لاسرائيل لدى شعوب هذه البلدان0 والصورة يجب ان تكون واضحة للجميع بأن الانتخابات الحرة النزيهة في العالـم العربي ستحضر التنظيمات الاسلامية الى الحكم دون منازع ولهذا أسباب عديدة بدأت بعملية مطاردة الانظمة العربية للتنظيمات الليبرالية، وهي بالـمناسبة "غير ديمقراطية" في سنوات الحرب الباردة واحتضان التنظيمات الاسلامية كبديل لها، والفشل في عملية البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والعجز عن ادارة الصراع مع اسرائيل وغيرها من الاسباب مما لا يحتمله مقال في جريدة. والحل هنا ليس بحرمان التنظيمات الاسلامية من حق الـمشاركة في انتخابات حرة ونزيهة، وإنما بالحوار معها على اعادة صياغة دساتير هذه البلدان لضمان الحريات واستمراريتها في حال نجاحها في الانتخابات.. للناس الحق في ان تجرب برامج الآخرين وتحكم عليها. وبالـمحصلة فإن الـمعركة التي ترغب اسرائيل في حسمها لصالحها في الضفة وغزة والقدس الشرقية، ستتحول إلى معركة على اسرائيل أن تحسمها مع بقية شعوب الـمنطقة، والحق يقال إن ما يقبل به الفلسطينيون اعترافا بضعفهم ورغبة في الحياة، لن تقبله الشعوب العربية ادراكا لقوتها ولعمق مساحة الارض التي تتحرك عليها. ومن الـمفيد هنا التذكير بأن احتلال القوات الاميركية للعراق، والتهديد بعمل ضد سورية، قد جعل الصراع في الـمنطقة يقترب اكثر من حدود اسرائيل، وبوجود تلك الـمتلازمة في ذهن الـمواطن العربي بين اسرائيل والولايات الـمتحدة فإن "الغضب" لن يوجه ضد اميركا وحدها.
يقال إن الوقت من ذهب، لكن اللحظة التاريخية الـمناسبة لتنفيذ مشروع سياسي كبير بحجم القضية الفلسطينية قد تظهر على فترات متباعدة وقد لا تظهر أبدا، لكنها في الحالة الفلسطينية الاسرائيلية الراهنة متوفرة، ويمكن استغلالها،الآن، لحل نهائي للصراع، بدلا من محاولة إقناع الفلسطينيين بدولة ذات حدود مؤقتة، أو محاولة فرضها عليهم. إسرائيل أثبتت بأنها قادرة على تفكيك الـمستوطنات، والفلسطينيون أثبتوا قدرتهم على التمسك بالتهدئة عندما تتعلق الـمسألة برحيل قوات الاحتلال عن أرضهم.
الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يدور الآن على قضايا محددة هي القدس، والكتل الاستيطانية الكبيرة، والأمن، ومستقبل اللاجئين. لـم يعد احد يتحدث عن مستقبل الـمستوطنات الصغيرة الـمتناثرة، ولا عن رغبة إسرائيل في استمرار احتلالها للأرض الفلسطينية، بل إن شارون، ويا لسخرية القدر هنا، ومن على منبر الأمم الـمتحدة، صرح بأنه يريد أن يرى دولة فلسطينية ديمقراطية تعيش إلى جانب إسرائيل. هنالك إذن فرصة حقيقية لحسم الصراع يجب عدم تبديدها بترك إسرائيل تحدد أجندة الـمرحلة القادمة، والـمطلوب من الرباعية ومن واشنطن تحديدا أن تتقدم باقتراح لـمؤتمر دولي يجري فيه حسم قضايا الحل النهائي.
جريدة الأيام (22/9/2005).