أن يتراكم وعي جماعي ونخبوي فلسطيني بضرورة إنتهاج استراتيجيات إعلامية جديدة تخاطب الإعلام العالمي فذلك أمر يسر ويستحق الترحيب. وأن يُصار إلى إتخاذ خطوات جدية لترجمة ذلك الوعي إلى سياسات وممارسات، كما يأمل المؤتمر الإعلامي الذي يُعقد في رام الله هذا الأسبوع، فهو أمر يسر أكثر. ولتوسيع نطاق مناقشة الأفكار والطروحات وتوجيهها توجيهاً عملياً يبعدها عن التنظير وتسطير «التوصيات» التي لا ترى نور التطبيق، تحاول هذه السطور تقديم أفكار أولية برسم النقاش الإعلامي الفلسطيني والعربي.

يجب القول ان صورة الفلسطيني في الإعلام العالمي ليست مطمئنة، ولا تتناسب مع عدالة قضيته وأحقيتها ونصاعتها. هي صورة أسير الموت والعازف عن الحياة! صحيح أن هناك تقدماً ملموساً في إدراك الرأي العام العالمي للقضية الفلسطينية، لكن ما زالت هناك أشواط طويلة يجب قطعها وإستثمار ما تتيحه من فرص لكسب أنصار جدد.

هناك حاجة ماسة الى تطوير إعلام وخطاب فلسطينيين قادرين على مواجهة إعلام إسرائيلي محكم الصناعة، وخطاب بالغ الذكاء يحسن إنتهاز الفرص وتصوير أي خطوة تتخذها إسرائيل بطريقة مؤثرة في الرأي العام العالمي (مثل النجاح في تصوير الإنسحاب من غزة وكأنه تنازل تاريخي من إسرائيل بينما هو إنسحاب متأخر من أراض محتلة نتجت عنه معاناة هائلة للفلسطينين، وهو انسحاب غير مكتمل بسبب سيطرة إسرائيل على الحدود، الخ... وما رافق ذلك كله من مبالغات في تصوير «آلام المستوطنين وبكائهم»، و «تصميم» حكومة شارون على ترحيلهم، إلى غير ذلك).

لا بد أن نقر أولاً بأن سنوات الإنتفاضة الثانية والإشتغال الإسرائيلي الذي لم يهدأ على تخليق وتسويق تشويهات مرافقة للفلسطيني وممثلة له رسمت صورة لا يمكن القول بأنها إيجابية في كل جوانبها. فإلى جانب صورته كمقاوم لا يخضع للإحتلال ويقاتل أشرس جيش في المنطقة، كانت هناك صورة دائمة التكرار للفلسطيني الملثم بالسواد، والمحتشد في مسيرات فيها كل أنواع الأعلام إلا علم فلسطين، ويطلق الرصاص في الهواء بمناسبة أو من دونها. وكانت هناك أيضاً صورة الإنتحاري/ الإستشهادي المزنر بالأحزمة الناسفة والذي يستقصد هدفاً غالباً ما يكون مدنياً. وهذا الإنتحاري/ الإستشهادي الذي يُصور بكونه لا يريد سوى الموت يبدو عدمياً لا إنسانياً. وفي معظم الحالات إن لم يكن في غالبها تتلاحق الصور الإعلامية حوله لتربط هيئته (المسلح الملثم، الإنتحاري الملتف بالحزام الناسف) مع عشرات القتلى المضرجين بدمهم من المدنيين ركاب باص من الباصات أو مرتادي مطعم أو مقهى ما.

والرسالة الإسرائيلية التشويهية، التي نجحت إلى حد ما، رسمت صورة عن كل الفلسطينيين وكأنهم نسخ مكررة عن تلك الصورة. ليس هناك شباب فلسطينيون أو شابات فلسطينيات يمارسون حياة طبيعية: هم لا يفرحون، ولا يتزوجون، ولا يعملون، ولا يحلمون بحياة أفضل. وبسبب هذه الصورة السالبة نواجه كثيراً من المواقف عن فلسطينيين يعيشون في الغرب أو يسافرون إليه وهم ينقلون انطباعات التعجب التي يصادفونها عند الغربيين عند معرفة «هويتهم الفلسطينية». فهؤلاء الفلسطينيون سواء كانوا طلاباً أو أكاديميين أو تجاراً أو مجرد زوار عابرين, لا تنطبق عليهم صورة التنميط الإعلامية المشوهة، وهي صورة جبروتية في الوقت الحاضر.

لم يتوقف تشويه صورة الفلسطيني عند الشاب - الرجل، بل إن الأم والمرأة الفلسطينية تشوهت صورتها هي الأخرى. فهي مجردة من عواطف الأمومة، تظهر على شاشات التلفزة العالمية مزغردة لموت أبنها، وتتقبل التهاني بمقتله. مثل هذه الصورة غير إنسانية على الإطلاق، وفيها تشويه لماهية الأم والامومة وللعاطفة الطبيعية التي نتوقعها منها. ليس هناك أم تفرح لموت فلذة كبدها. طبعاً هناك أجواء تعبئة وتثوير تدفع بهذه الأم لأن تزغرد وتخدع مشاعرها الحقيقية وتعلن على الملأ خلاف ما يعتصر في قلبها، خصوصاً خلال العزاء الكبير التي يحتوي على خطب وشعارات وإشادة بالشهيد وعائلته. لكن ما أن ينقضي ذلك, وتغيب الكاميرا التي تصور، حتى تظهر الأم الحقيقية التي لا يراها أحد، وتغرق في بكائها وحزنها الذي يجب أن يظهر على الشاشة، لكنه يغيب وراء لحظات التفاخر الفصائلي التي تدفع الأم للدوس على عواطفها وأمومتها في أهم اللحظات المؤثرة.

في الجانب الآخر تظهر صورة الأم الإسرائيلية وهي تنتحب متشحة بالسواد والحزن على من فقدته، لا تزغرد ولا تفرح. ومن فقدته هو جندي مدجج بالسلاح مهمته أن يحارب وأن يموت في الحرب، لكن الصورة المفارقة هنا لا تخدمنا أبداً، وتقلب أصل الواقع. تصبح الضحية، الفلسطيني، جلاداً يتلذذ بقتل الآخرين، وتصل صرخته الظافرة بالقتل أقصى العالم. ويصبح الجلاد الإسرائيلي ضحية بريئة يعم صوت بكائها العالم بأسره. حادثة يتيمة علمت فيها أم فلسطينية بنية أبنها تنفيذ عملية، وشجعته ولم تثنه عن عزمه، تناقلتها وسائل إعلام عدة، وكتبت عنها مقالات وأبحاث، بل استخدمت أيضاً في قاعات المحاكم لتثبت أن الأم الفلسطينية «إرهابية» إذ أنها متواطئة مع أبنها في كل خطواته. مئات العمليات ومئات الحالات التي قام فيها مسلحون بتفجيرات من دون علم الأم أو الأب اللذين أعلنا الحزن الطبيعي على الابن المقتول، لا يُشار إليها.

هناك الكثير مما يقع في نطاق القدرة على التنفيذ والتطبيق، ويمكن لمؤتمر رام الله أن يركز عليه ويخرج ببرامج تدريبية ومحددة،وليس توصيات إنشائية:

- أولاً: هناك حاجة ماسة إلى ما يمكن تسميته «كسر الكاميرا الفلسطينية القاتلة» وإستبدالها بكاميرا مسؤولة، وأقصد بذلك أن معظم الصور، إن لم يكن كلها، التي تأتي من داخل فلسطين هي مأخوذة بكاميرات فلسطينية وبمصورين فلسطينيين. صحيح أنهم يشتغلون لوكالات عالمية، لكن إلتقاط الصور البشعة يتم بأيديهم. لا يلتقطون صوراً جاذبة، صوراً تؤنسن الفلسطيني وتتحدى الصورة النمطية عنه. وصحيح أيضاً أن الصورة البشعة، التي فيها دم وقتل، وفيها ملثمون وصراخ عال، هي أكثر إثارة للإعلام، لكن هذا التحدي يجب أن يُخاض. ويجب أن يتوقف السباق غير المهني وغير الوطني على تشويه الصورة وتقديم خدمة مجانية لإستراتيجيات الإعلام الإسرائيلي التي تتصيد ما يأتيها عن الفلسطينين لتديم تشويه الصورة، وتديم أسر الفلسطينين في سجنها التصويري, كما تأسرهم في سجونها الحقيقية. كسر الكاميرا القاتلة يتم عبر ترقية وعي الإعلاميين الفلسطينين وعبر دورات تدريبية تشرح الضرر الكبير الذي تحدثه الصورة في كل مكان، وأنها أخطر من الرصاص في إيلام الفلسطينين في كثير من الأحيان.

- ثانياً: هناك حاجة إلى ترقية الوعي الإعلامي عند الفصائل الفلسطينية المتنافسة، والتي يأخذ تنافسها أشكالاً إستعراضية وإعلامية. يندرج في ذلك محاربة ظواهر التلثم والمسيرات الغرائبية في الشوارع، والأسلحة سواء أكانت حقيقية أم تمثيلية لأنها تُظهر الفلسطينين وكأنهم مجموعات من العصابات المنفلتة، وليسوا شعباً يريد التحرير والحياة الطبيعية. وربما من المفيد أن يُصار إلى عقد دورات متلاحقة لمسؤولي الدعاية والإعلام في هذه الفصائل لتبيان لهم الضرر الذي تحدثه وسائل الدعاية غير المدروسة على القضية برمتها. يجب تنظيم عملية التنافس الإعلامي بحيث لا تكون الضحية هي صورة الفلسطيني في الخارج.

- ثالثاً: وعلى مستوى أعلى، سواء في جانب السلطة أم الفصائل، هناك حاجة إلى دماء جديدة وشابة تكون ناطقة رسمية فلسطينية، تنقل وعياً وخطاباً جديدين. ويتضمن ذلك اعتماد ناطقات فلسطينيات يتحدثن مع الإعلام بلغات عدة وبخطاب إنساني، مع ضرورة الاهتمام بالصورة والحضور ونوعية هؤلاء الناطقات.

- رابعاً: إنشاء مركز لمراقبة الإعلام الإسرائيلي ونشر المواد التحريضية والعنصرية التي ينشرها، على غرار مركز «ممري» في واشنطن لإيغال كامرون، وعلى غرار الموقع الألكتروني المؤثر DishonestReporting.

- خامساً: الإستفادة من الجاليات الفلسطينية في المهجر، وتوظيف طاقاتها، بالتعاون مع السفارات الفلسطينية، في مراقبة الإعلام في أماكن وجودها، والضغط المنظم على وسائل الإعلام عن طريق الإجتماع بالمسؤولين فيها ومناقشة المواد التي تنشرها تلك الوسائل.

أما على مستوى مضامين الخطاب الإعلامي الفلسطيني فمن الضروري الإلتفات إلى المسائل الملحة الآتية:

- أولاً: العودة إلى جذر الصراع مع إسرائيل (back to basics) في الخطاب الإعلامي، أي بكونن صراعاً قام ويقوم على إحتلال كولونيالي بدأ عام 1948 وليس عام 1994 مع بداية العمليات الإنتحارية. وبالتالي فصل فكرة المقايضة والمقابلة بين العمليات الإنتحارية والإنسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة: أي لا تتم الأخيرة إلا بتوقف الأولى، وكأن هذه العمليات هي أس المشكلة.

- ثانياً: تبني خطاب يعتمد على فكرتين أساسيتين، أولهما أن الفلسطيني إنسان عادي يعشق الحياة ولا يعشق الموت، وثانيهما أنه يناضل من أجل الحرية والتخلص من إحتلال كولونيالي ولا يناضل من أجل أن يموت أو يفجر نفسه والآخرين.

- ثالثاً: تخفيف جرعة الخطاب الديني، خصوصاً عند الفصائل المعارضة، وتحديداً «حماس» و «الجهاد الإسلامي»، والتركيز على الأهداف الوطنية المفهومة، والتي يتقبلها الإعلام العالمي. الفصل بين الدين والجهود التعبوية المؤيدة.

- رابعاً: إعادة توكيد الفصل بين الصهيونية وإسرائيل كمشروع إحتلالي، واليهود واليهودية كأفراد ودين. ويترتب على ذلك عدم إنكار «الهولوكست» اليهودي على يد النازية وتوكيد وحشيته البالغة، وعدم التحرج من إظهار موقف إنساني واضح وصارم ضده. وفي الوقت نفسه التوكيد على رفض إعتباره مؤسساً أخلاقياً لدولة إسرائيل.

- خامساً: ربط القضية الفلسطينية بمشروع نشر الديموقراطية في العالم العربي، وبأن أي ديموقراطية عربية حقيقية في معظم الأقطار العربية يصعب أن تنجز ما لم يتم حل القضية الفلسطينية، وذلك بسبب مسألة التطبيع. فإن كانت إسرائيل والولايات المتحدة تعتبران التطبيع مسألة جوهرية، فإنه لا يمكن أن يتم في وسط غضب ونقمة شعبية عارمة ضد إسرائيل. وأي خيار ديموقراطي حقيقي يريد أن يعبر عن إرادة الشعوب العربية سيعني لفظ التطبيع ورفضه، لأن الشعوب العربية لا تقبل به في الوقت الذي يعاني الفلسطينيون ولا تزال حقوقهم ما مستباحة. - (الحياة اللندنية 23 أيلول 2005) -