لم يختلف فلسطينيان على شخصية موسى عرفات!! ولم يكتم النقد لممارساته السلبية العديد من أبناء شعبنا، فكتبت به مئات الشكاوى، واعترض على تصرفاته بعض قادة المناطق، وأعضاء من المجلس التشريعي، وشخصيات وطنية، ولقد سمعت قصصاً عنه ممن هم في أعلى المستويات القيادية العسكرية والسياسية للسلطة الفلسطينية، وجميعهم تحدث عن الرجل ونفوذه، وجبروته، واندفاعه دون كابح، ودون رقيب وعتيد، ودون حسيب، وتصرفه في الوطن وكأنه ضيعه خاصة، أو تركه لا يحق لأحد أن ينازعه السيطرة على ميراثها، وتحدثوا عن عدم قدرتهم على وقفه عند حده، وأنهم تقدموا بشكاوى إلى الرئيس ضده، وهو ما جر عليهم البهدلة، وتحويل كتبهم، ومظالمهم التي أرسلت إلى موسى نفسه للرد عليها، وبدوره قد راجعهم بها، وأوقعهم في الحرج!!.
فهل الممارسة المذمومة بحد ذاتها كانت سبباً محرضاً على قتل موسى عرفات؟ أم تراكم عدم المحاسبة، وارتجاف بوصلة القانون أمام قوة نفوذ بعض قادة الأجهزة الأمنية، وغيرهم من النافذين، وبالتالي انعدام المساواة، وغياب الإحساس بالعدل بين الناس، وتقسيمهم إلى أمير يرفل بالحرير، له امتيازات واستثمارات، وقوافل من السيارات، وغفير دون تحقيق فرصة عمل، وتأمين لقمة العيش بكرامة؛ تلك بعض الأسباب التي أوقعت موسى عرفات في الخطأ، فما هو إلا ابن للمرحلة التي ما زالت تشجع غيره على الممارسة ذاتها، وما زالت تعبأ مخازن الناس من الحقد حتى طفحت، فجرت التصفية على موسى؟
لقد أدى التفرد بالحكم، وشهوة التسلط، واستئثار المقربين، والاستثناء بناء على الأهواء، والتمايز أمام القضاء، وعدم احترام تشكي الضعفاء، وتآكل الشرعية البرلمانية بالتقادم، وغياب الديمقراطية، إلى إضعاف هيبة الانتماء، وبهتان سلطان الولاء من جهة، وإلى تربية الكراهية في نفوس الرجال، وحشد حقدهم، ودفعهم للقتل عن قناعة، ورضا تام من جهة أخرى، إنها معادلة التوازن التي تنبئ بعدم توقف القتل، وتصفية الحسابات، ما لم يتوقف نزف الخطأ، وهو الذي يطرح التساؤل: من هو المرشح التالي للقتل بعد موسى عرفات ما دام سلوك البعض لا يختلف عن موسى؟ أو بصيغة أخرى للسؤال؛ من هو الأقوى نفوذا وبطشاً وسطوة، ويربي لنفسه حشداً من المظلومين الكارهين لسلوكه، وله قوة التجرؤ على القانون، ولا تتجرأ عليه المحاسبة، له تذل الرقاب ظاهرياً، ولا يخشى أحداً، ويخشاه الجميع ؟
في المجتمعات الديمقراطية الحضارية تقدم لائحة الاتهام ضد المسئول وهو في قمة السلطة، فإن تمت إدانته جرت محاسبته، وأخذ المجتمع منه حقه، وبالتالي لا يحقد عليه الناس، ويغفرون خطيئة إنسان مثلهم لا يرتقي إلى المطلق، وليس أعلى درجة منهم، هذا ما حصل تماماً مع الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، وما حصل مع رئيس وزراء إسرائيل السابق بنيامين نتانياهو، وما حصل مع الكثير من زعماء وقادة المجتمعات الديمقراطية التي يعيش فيها رؤساؤها، بعد انقضاء فترة حكمهم حياة عادية داخل مجتمعهم، دون خوف من حاقد عليهم.
لم يبق في مجتمعنا العربي الفلسطيني أحد لم يبك على غياب المحاسبة، واختفاء المسائلة، وتحدث جميع المسئولين عن أهمية الشفافية، وعن ضرورة الاحتماء بالقانون، ولقد أسهم كل المفكرين، والكتاب والمتحدثين في إدانة الطريقة التي تمت فيها تصفية موسى عرفات، واعتبروها تمادياً في الانفلات الأمني، وتشجيعاً على هدر الاستقرار العام والشخصي، وتبهت الثقة بالمؤسسة، ولكن انتقاد المسئولين لطريقة القتل كان يحمل دلالة الفزع الشخصي على حياتهم ومكاسبهم، ومع ذلك لم يتورع مسئول فلسطيني واحد ممن أدلى بدلوه في هذا الشأن من التنويه إلى أن الانضباط والمحاسبة لا تتجزأ، وإنما هي كل متكامل، تبدأ بالإجابة على سؤال: من أين لك هذا؟ ومن سوّاك؟ ومن عدّلك؟ ومن رفعك في عُلاك؟ ومن أعطاك أزليه التشريع، ومن خلاك، ولا تنتهي عند ملاحقة الجناة، في مئات القضايا التي مهدت الطريق لمقتل موسى، وشرعت البوابات لتقتل غيره ـ بغض النظر عن الأسماء المشاركة التي يتم تداولها، ومدى مشاركتها في التصفية، ومن يقف من خلفها، وبغض النظر عن المواقف الرافضة للأسلوب ـ إن انعدام الثقة بين المواطن العربي الفلسطيني وبين القائمين على تطبيق القانون لهو المشجع على تجاوز القانون؟ وهو الذي يطفئ حمية الانتماء لجغرافيا الفكر الذي لا يضمن المستقبل للأجيال.
لقد التقى الجميع على أن ما تعرض له موسى عرفات كان ناتج ممارساته، التي مارس مثلها آخرون، وما زالوا يمارسونها حتى يومنا هذا، وبالتالي هم شركاء موسى عرفات حياً وميتاً، وهم الذين يتحسسون رؤوسهم، ويتخوفون من النتيجة ذاتها، لأنهم يعرفون السبب الذي يحتشد الناس خلفه بأحقادهم، ويعرفون لماذا سلم زميلهم اللواء الركن غازي الجبالي، قائد الشرطة الفلسطينية، حامي حمى القانون، وحامي أملاك الناس، وحارس أعراضهم لعشر سنوات، لماذا سلم ملايين الدولارات فادياً نفسه، مؤثراً الهرب بجلده!
فأيهما كان الأجدر بالقيادة الفلسطينية؛ تهريب غازي الجبالي من غزة أم تقديمه للمحاكمة، وسؤاله من أين لك هذا؟ وما أكثر الأسماء الشبيهة باسم المذكور!!
فما غازي الجبالي إلا نفرٌ من أولئك الذين يعرفون أن أول جرائمهم هي تعاليهم على المحاسبة القانونية، وتعاليمهم القاتلة المترفعة عن النزاهة والعدل بين الناس، وبالتالي فهم يدركون: أن من هو فوق المحاسبة القانونية، لا بد أن يكون يوماً ما دون المحاسبة الغاضبة الحاقدة المحزنة المخزنة في قلوب الرجال!!.
أما كان الأجدر بالقيادة الفلسطينية أن تحول ملف موسى عرفات إلى النائب العام بدلاً من إلباسه عباءة المجد، وتقليده وسام البطولة الذي قاده إلى حتفه!!
يصدق هنا مثلنا العربي: نم في بطون الجمال، ولا تنم في بطون الرجال؟ فكيف برجال غزة الذين ـ كما تقول كتب اليهود ـ حاكوا المؤامرة للإيقاع بشمشون اليهودي الجبار بعد أن استعصى عليهم مواجهته؟
إن قلة المحاسبة تخلق كثرة التمايز، كما تخلق نُدَبُ الأصفادِ الأحقادَ، والتمايز هو الذي يضعف الانتماء للمؤسسة بشكل عام، ويجعل الدفاع عن نظامها، واحترام قوانينها محصوراً في العدد المنتفع منها، والذي يسخرها لخدمته، علماً بأن خسارة ضياع المؤسسة، وانعدام القانون، وتفشى مظاهر الانفلات الأمني لا تستثني أحداً، وستطال الجميع بالهلاك، وستوزع الهم، والقلق، على كل المستويات الاجتماعية بالتساوي.
على المسئولين الفلسطينيين الذين أفزعتهم الطريقة التي تمت فيها تصفية موسى عرفات، وأدانوها، ولضمان عدم تكرارها؛ أن يتداعوا لمحاسبة النفس أولاً، وأن يبادروا بتقديم كشف حساب مسلكي، وأن يوحدوا الجهد لاقتلاع الجذور التي نمت عليها ممارسة الخطيئة ـ وهم يعرفونها أكثر من تقرير المجلس التشريعي، ومن تقرير هيئة الرقابة، ولجان التدقيق ـ وعليهم أن يعترضوا علانية على الطريقة التي ما زالت تصدر فيها أهم القرارات القيادية، وأن يراجعوا آلية العمل التي تدار فيها القضايا السياسية، وتسوى بها المخالفات المالية، والخلافات الإدارية، وتوجه من خلالها دفة الحكم على ما ظل من أرض فلسطينية، يحتاج إلى النزاهة والعدل في كل مناحي الحياة بمثل حاجته إلى الحرية، بل وأكثر من ذلك قليلا!!!. - (مفتاح 23 ايلول 2005) -