الجديد في التطبيع أنه دخل مرحلة يستطيع المطبعون العرب فيها أن يقولوا إنهم يقدمون عليه من أجل مصالح بلدانهم، وبذلك أعفوا أنفسهم من ادعاء أنهم يطبعون من أجل «السلام» أو خدمة للشعب الفلسطيني.

أما الإدارة الأميركية التي وضعت التطبيع مع إسرائيل في رأس لائحة الشروط لنيل رضاها والتخفف من غضبها، فلا بد لها أن تستنتج أنه لو تحققت دعواتها الى إقامة الديموقراطية في العالم العربي لأصبح التطبيع من رابع المستحيلات، إلا إذا اعتبرت أن ضغوطها اللاديموقراطية لن تتغير سواء كان الحكم منتخباً أو مفروضاً.

الفارق هو أن الشعوب لا يزال عندها ضمير. طبعاً لها مصالح، لكنّ لديها ضميراً. ثم أن هذه الشعوب، مهما حاولت، ستبلع بصعوبة حالة الظلم التي فرضت عليها طوال عقود من جراء الاحتلال الإسرائيلي واضطهاده لشعب عربي ينتمي الى المنطقة. ولن تقبل الشعوب بسهولة أن لا يُعامل مجرمو الحرب الإسرائيليون إلا بالمكافآت أو بقرارات لمجلس الأمن يمجد فيها شجاعتهم على رغم أن كل أمجادهم الدموية بنيت على احتقار قرارات الشرعية الدولية.

وصلت واشنطن في مهمة دمقرطة دول المنطقة الى اقتناع بأن الشعوب هي المشكلة لا الحكومات. وما دامت هذه الشعوب غير مهيأة للتدمقرط قلا بأس بالاستفادة من غياب هذه الديموقراطية واستجلاب مكاسب للحليف الإسرائيلي. وبعد كل الذي حصل، وصولاً الى احتلال العراق، باتت المهمة أكثر يسراً: اذهبوا الى التطبيع وإلا... فيذهبون.

طبعاً، الحجج جاهزة، فلماذا نُلام نحن إذا كانت أكبر دولة عربية طبّعت العلاقات وصالحت إسرائيل، وهل نحن معنيون بالقضية أكثر من الأردن، وهل نكون أكثر فلسطينية من الفلسطينيين، وهل نخاصم الولايات المتحدة من أجل أمر لم يعد لنا حول فيه ولا طول؟ هذه الأسئلة المشروعة تطرح بعد اتخاذ القرار وعقد النية على التطبيع، ثم تأتي محاولات التجميل: مكره اخاك لا بطل، وإيه يعني التطبيع، هي مصافحة والسلام، وهذا لا يعني اننا نتنكر لحقوق الفلسطينيين...

المنسي في هذه المعمعة هو السؤال: لماذا كانت المقاطعة أصلاً؟ لم يعد أحد يتذكر. كان يا ما كان في قديم الزمان. الكل مشغول الآن بحاله. ولكثرة الضيق والضغوط هناك من يقوده سياق الحديث الى التساؤل: وماذا بيننا وبين إسرائيل؟ بل يذهب به «المنطق» الى الاجابة: فليعطوا الفلسطينيين حقوقهم، ولا نريد منهم شيئاً آخر... يا لرحابة الصدر، يا لسعة الأفق، يا لهذه البساطة كم هي قادرة على استحضار العالم الوردي... ينسى المتبسطون هنا أن شارون تحدّاهم وأذلّهم عندما راح يقتل ويدمر ويسرق الأرض أمام عيونهم وهم صامتون. إنه الآن يطلب ثمن الصمت أيضاً.

فاجأتنا شخصية خليجية مخضرمة مرة بهذا الاستنتاج. قال إنه أدرك أخيراً، ومتأخراً، لماذا بات ربعنا يكرهون الجامعة العربية. قال إنهم يكرهونها لأنها لا تنفك تردد ما كانت تردده منذ عقود، ولا تبدو معنية إلا بالقضية الفلسطينية. وأنهى بالقول: لعلها تعرقل خطوات يريدون الاسراع فيها. لكنه استدرك ملاحظاً أن الجامعة لم تمنع أحداً من أن يطبع علاقاته مع إسرائيل، وأنّ هناك تسع دول مطبعة علناً، وخمساً مطبعة سراً، وثلاثاً من أصل الثماني الباقية لا يهم أن تطبع أو لا تطبع. كل ذلك، وهناك توصيات اتخذتها الجامعة بعدم التطبيع، والكل يؤكد بمناسبة ومن دون مناسبة أنه ملتزم. لكن السر في هذا الالتزام موجود عند الوزير المعاق سيلفان شالوم.

أخيراً طفح الكيل عند سيلفان هذا، فهو لم يعد يرضى بأن يطلب «نظراؤه» العرب الاجتماع به سراً. ففي رأيه، يجب أن يكونوا فخورين بلقاء هذه الشخصية المعروفة إسرائيلياً بأنها تعيسة. لكن الغباء العربي قادر على أن يجعل منه وزيراً تاريخياً حطم الرقم القياسي في عدد المصافحات مع العرب. ولا تستبعدوا شيئاً فقد يطلب الأميركيون أن يُصافح سيلفان علناً، لأنهم لا يقدرون على زعله. وإذا كانت الأمور بلغت هذا الحد من الهزل والهزال، فلن يستغرب أحد إذا قيل: هؤلاء عندهم إرهاب لكن تبيّن أيضاً أن لديهم استرخاصاً للمبادئ.

تبدو التطبيعات الجارية الآن كأنها مباركة مسبقة للسرقة الكبرى التي سيقدم عليها شارون وسائر أفراد العصابة الإسرائيلية في الضفة الغربية. هذه المرة، بعد ستة عقود على الصراع، لن يرسل العرب مقاتلين لاسترجاع الأرض السليب، بل سيطيرون برقيات التهنئة ووفوداً محملة بالهدايا. - (الجياة اللندنية 24 ايلول 2005) -