أخطأت "حماس" عندما حمّلت إسرائيل مسؤولية الانفجار الذي أودى بحياة العديدين من أبناء شعبنا في جباليا، فجميع الشواهد التي نقلت من موقع الانفجار أكدت أن ما جرى هو نتيجة خلل ما تسبب في الحادث الـمأساوي.. البعض مثلاً قال إن هنالك دخاناً أبيض قد ظهر من الشاحنة قبل سماع الانفجار، ولو ضربت الشاحنة بالصواريخ لتم سماع الانفجار قبل رؤية الدخان .. والبعض قال إن الشاحنة قد تحركت فوق الرصيف، ما أدى إلى اهتزاز ما بداخلها وحدوث الانفجار، وفي جميع الأحوال فإن منطق الأشياء يؤكد أنه لو قامت إسرائيل بضرب الـمسيرة بأربعة صواريخ، لأمكن لعشرات الآلاف من الـمشاركين في الـمسيرة مشاهدة هذه الصواريخ وهي تسقط، وهذا ما لـم يحدث.. تحميل إسرائيل الـمسؤولية عـن كل الـمآسي التي تعصف بنا من فترة لأخرى هو سياسة خاطئة لا يمكنها الـمساعدة في تمتين جبهتنا الداخلية. البعض ذكّر بحادث الشجاعية عندما سقط خمسة ضحايا، بينهم ثلاثة أطفال، بسبب تخزين متفجرات في موقع سكني، الحادث أيضا حُمّلت إسرائيل مسؤوليته قبل أن تنكشف أسبابه الحقيقية.

خطأ "حماس" الكبير لا يبرر لوزارة الداخلية سرعة إصدارها لبيان يحمّل "حماس" الـمسؤولية.. كان من الأجدر بها إرسال فريق فوري للتحقيق، وجمع الأدلة قبل إصدار البيان، كان هذا سيعزز من مصداقيتها.. البعض قال إن "حماس" كانت ستمنعهم من القيام بمهمتهم، لكن في هذه الحالة كان يمكن لوزارة الداخلية إصدار بيان يوضح فيه قيام "حماس" بذلك، لكن الداخلية لـم تتحرك للقيام بمهامها حال حدوث الانفجار، وكان هذا أيضا خطأ كبيراً. ما يهمنا هنا أن الخطأ الذي ارتكبته "حماس" هو خطأ كبير، ليس بدلالاته الأخلاقية فقط، بمعنى تحميل إسرائيل الـمسؤولية ولتأكيد ذلك القيام بعملية إطلاق صواريخ على سديروت، وإنما بدلالاته السياسية.. فهو قد جرى بعد أيام من فك الارتباط، في وقت تؤكد فيه إسرائيل أن هدف عملية الانفصال هو تعزيز أمنها، وبالتالي فقد كان من الـمتوقع قيام شارون بعمليات عسكرية من النوع الذي يقوم به الآن في غزة، وربما أكثر من ذلك بكثير لبيان أن خطوته في غزة قد عززت من أمن إسرائيل ولـم تضعفه.. والعملية من حيث توقيتها قد تمت في أجواء الصراع داخل حزب الليكود، بمعنى أن شارون كان بحاجة لأن يثبت بأنه لـم يتحول إلى حمامة سلام، وأنه مجرد صقر عاقل يدرك مصالح إسرائيل، مقابل صقر مجنون (نتنياهو) يريد تدمير إسرائيل.

لكن جميع هذه الحسابات ليست في تقديري هي الأساس للقول إن خطأ "حماس" كان كبيرا.. لقد كان الخطأ هو في عدم تقدير سياسة إسرائيل التي تدعو إلى عدم إشراك "حماس" في الانتخابات الـمقبلة، والاستهانة بتصريحات شارون وشالوم التي أعربا فيها عن رغبتهما في السعي لـمنع "حماس" من الـمشاركة في الانتخابات حتى لو تطلّب الأمر تعطيل الانتخابات الفلسطينية كلياً، وكان الرفض الأميركي الخجول، ولكنه في جميع الأحوال رفض، لتصريحات زعماء إسرائيل مؤشراً على جدية الـموضوع، كان على "حماس" أن تنتبه له، وأن تقدر موقف الرباعية التي لا يمكنها الادعاء بأنها تريد الديمقراطية للشعب الفلسطيني، وترفض في الوقت ذاته مشاركة "حماس" في الانتخابات التشريعية حتى لو كانت كارهة لها.

الهجمة على "حماس" ليست عسكرية وإن أخذت هذا الشكل، إنها هجمة سياسية منظمة تستهدف منعها من الـمشاركة في الانتخابات، وفي حالة الـمشاركة منعها من قوة الحضور في هذه الانتخابات من خلال إضعاف فرصها في الحصول على عدد كبير من مقاعد الـمجلس التشريعي.. أو لنقل على نسبة 30 في الـمائة التي تبشر بها استطلاعات الرأي.

ما تقوم به إسرائيل عسكرياً لا يضعف القوة العسكرية لـ "حماس" في غزة وربما يعززها بعمليات تجنيد أوسع لصفوفها كما هو حال كل هجمة عسكرية، وفي الضفة فإن خلايا "حماس" العسكرية هي خلايا سرية ولو لـم تكن كذلك لقامت إسرائيل بتصفيتها منذ زمن، ولا أعتقد أن إسرائيل مترددة في ذلك أو لـم تسع لذلك طوال الفترة السابقة. ما تقوم به إسرائيل فعليا هو محاولة لإضعاف "حماس" سياسيا من خلال حملة الاعتقالات الـمكثفة التي تقوم بها والتي طالت مرشحين لها للانتخابات التشريعية، وقادة لحملتها الانتخابية الدعائية، ومفكرين لها لهم احترامهم بين جمهورهم. الهدف إذاً، هو حرمان "حماس" من الشرعية البرلـمانية والبلدية أيضا التي ستفتح لها آفاق العمل السياسي، وعلينا هنا تحديدا أن نقلق كثيرا من هذه الخطوات وألا نسمح بتحويل خطأ "حماس" الكبير إلى خطيئة قاتلة تحرم الشعب الفلسطيني من أن يجد تمثيله الحقيقي في انتخابات الـمجلس التشريعي الـمقبلة. علينا أن نعترف بأن "حماس" بوقفها عملياتها وبإعلانها تمسكها بالتهدئة قد قررت ما هو لصالحها ولصالح الشعب الفلسطيني، ولحاق القوى الفلسطينية الأخرى بهذه السياسة من خلال البيان الـمشترك عن التزام الجميع بالتهدئة هو أمر جيد وإيجابي للغاية، لكنه لن يمنع إسرائيل من الاستمرار في سياستها وتحديد وقف حملة اعتقالاتها .. وهنا يجب أن تتحرك السلطة بشكل أكثر فعالية لوقف حملة الاعتقالات التي تمارسها إسرائيل، والهدف يجب أن يكون إجراء الانتخابات التشريعية في ظروف تسمح لجميع الفصائل بالقول إنها قد حصلت على فرص متساوية في الانتخابات، وبغير ذلك فإننا قد نصل لشهر كانون الثاني في ظروف لا تسمح لـ "حماس" بالـمشاركة في الانتخابات، وبالتالي مقاطعتها، وما يترتب على ذلك من الادعاء، وقد يكون ذلك عن حق، بأن الانتخابات غير شرعية، ومن ثم سعي "حماس" لخلق سلطة موازية في غزة استكمالاً لـمقولة عدم الشرعية، وزيادة أو تصعيد العمليات الـمسلحة في الضفة.

إن مصلحة الشعب الفلسطيني تتطلب أن يشارك الجميع في الانتخابات، وأن تعكس نتائج الانتخابات التشريعية الـمقبلة الحجم الحقيقي لجميع فصائل العمل الوطني والإسلامي، وبالتالي التزام الجميع برأي الأغلبية، سواء فيما يتعلق بآليات العمل السياسي أو بالأهداف الآنية والبعيدة التي ستسعى لتحقيقها.. مع حماية حق الأقلية بالتأكيد في أن تسعى بشكل سلـمي للتحول إلى أكثرية، تماماً مثلـما يجري في جميع البلدان ذات الجذور الديمقراطية العميقة، والتي تحترم عقل ومصالح مواطنيها.

إن إسرائيل تخطئ إذا اعتقدت أن حرمان "حماس" من الـمشاركة في الانتخابات هو في نهاية الـمطاف لصالحها، بل على العكس من ذلك فحرمانها من الـمشاركة في الانتخابات سيفرض واقعاً على الأرض لا يسمح للسلطة السياسية لـمحمود عباس بالقيام بتسوية سياسية شاملة.. لأن عباس سيكون منهمكاً في حوار دائم مع الـمعارضة خارج البرلـمان لإقناعها بالحفاظ على التهدئة بدلاً من إلزامها بالتهدئة بحكم وجودها الشرعي في البرلـمان، وما يترتب على ذلك من ضرورة التزام "حماس" وغيرها من الفصائل بقرارات الشرعية التي ستكون جزءاً منها.

لقد أخطأت "حماس"، خـطـأً كبيراً، و"غلطة الشاطر بألف" كما يقال، لكن علينا أن نسعى إلى ألا يتحول ذلك إلى خطأ قاتل يهدد شرعية النظام السياسي الفلسطيني بعد الانتخابات التشريعية الـمقبلة، أو يهدد وحدة الشعب الفلسطيني.