للوهلة الأولي بدت الغارات الإسرائيلية على غزة وكأنها ردة فعل دفاعية إسرائيلية على قذائف حماس، وأظهرت إسرائيل ـ غر البريئة من الدم الفلسطيني ـ أظهرت عدوانها وكأنه حرب مشروعة على معتدين تعرضوا لأمن الدولة العبرية التي تقوم بالدفاع المشروع عن مواطنيها الآمنين، هكذا أوحت إسرائيل للرأي العام العالمي، ونجحت في تمرير كذبتها على كل الناس، بما في ذلك بعض الفلسطينيين سواء أكانوا من السلطة، أو من فصائل المقاومة، لقد صدق البعض ـ بوعي أو بخبث ـ مضامين الخطاب الإسرائيلي، في حين راح الأكثر تدقيقاً في الأحداث يربط بين عنف الرد الإسرائيلي، وتواصله، وبين الاختيارات الحزبية الداخلية في إسرائيل بتعجيل أو تأجيل موعد اختيار رئيس حزب الليكود.
من حق المتتبع لتسلسل الأحداث الميدانية أن يتشكك في التبرير الإسرائيلي للقصف المرعب على الفلسطينيين، وأن يوجد الرابط القوي بين تفجير مخيم جباليا الذي أودى بحياة عشرين بريئاً في المساء، وبين تصفية ثلاثة من شباب الجهاد الإسلامي في طولكرم في صباح اليوم ذاته، فإذا كان تفجير مخيم جباليا قد أثار حالة من التشكك بين ضلوع إسرائيل المباشر في التفجير الذي أدى إلى مقتل عشرين بريئاً كما أقسمت حماس على ذلك، أو عدم ضلوع إسرائيل كما شهدت على ذلك السلطة، فإن من المؤكد أن تصفية رجال المقاومة في طولكرم لم تكن عفوية، وتمت بيد إسرائيل بشكل مباشر، وقد أنبأتنا ردة الفعل الإسرائيلية السريعة والمنظمة، والمتصاعدة أن إسرائيل كانت تنتظر تطور الأحداث، وتخطط لها، أو تتوقها على الأقل، وتتوقع ردة الفعل الفلسطينية، وبالتالي حركت آلة حربها المدمرة للتهدئة، واقتلعت إمكانية تنامي الحلم الفلسطيني بسلام مؤقت ولو على 1،4% من أرض فلسطين، دون أن يأخذ بعين الاعتبار اختلال ميزان القوة المرعب لصالح إسرائيل.
إن تواصل القصف الإسرائيلي على قطاع غزة لأربعة أيام متتالية، وتواصل الاعتقال في الضفة الغربية رغم إعلان حماس، وبقية الفصائل عن التمسك بالتهدئة، ليؤكد أن لإسرائيل مرامي سياسية تهدف إلى تحقيقها من خلال ما يحدث على الأرض، يقوم على ترويع السكان، وزجهم في أتون المعركة، لخلق رأي عام فلسطيني ضد المقاومة، وإيجاد الشرخ الذي طالما سعت إلية بين المواطنين والمقاومين، وإلا لماذا تواصل إسرائيل هذا الشكل من القصف الرعدي الذي ترافق مع منشورات توحي للمواطن العادي أن منظمات المقاومة هي السبب فيما تجره من ويلات، وأن حدود إسرائيل لها قدسية العجل الذي يحرم النظر إليه؟.
للعلم، فإن هذه ليست هي المرة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل لتحمل مسئولية معاناة السكان للمقاومة، فقبل التوصل للتهدئة في شهر مارس 2005، وزع الإسرائيليون منشوراً بهذا المعنى، وعلقوا لوحة على جسر العذاب الفاصل بين غزة وخان يونس، وفي مكان بارز؛ كتب عليها جملة تقول: أيها المواطنون، المنظمات الإرهابية سبب معاناتكم!!
وبرأت إسرائيل جيشها الجرار من كل الجرائم التي يقترفها، واعتبرت المقاومة هي السبب في إغلاق الطرق، وهدم البيوت، واقتلاع الشجر، لقد تكرر ذلك بعد التوصل إلى اتفاق التهدئة، إذ علق الإسرائيليون على الجسر ذاته، لوحة رسم عليها شكل زهرة متفتحة في يد، وكتب تحتها: الاختيار في يديك؛ وعن يمينها كتب، ازدهار، رزق، عمل.
لقد حرصت إسرائيل في خطابها الإعلامي على التأكيد أن السبب في كل ما يدور من أحداث يتحمل مسئوليته رجال المقاومة، وأن واجبكم أيها الناس، يا سكان قطاع غزة، هو العيش بسلام، والبحث عن العمل والازدهار والرزق في فراش الطاعة للإسرائيليين، ما عدا ذلك، فلن تسلم لكم طريق، ولن تنجو لكم شجرة، ولن تنام أحلامك السياسية بسلام.
تعمدت إسرائيل هذه المرة بشكل واضح إلى توصيل المعركة لكل بيت فلسطيني في قطاع غزة، وقصدت أن يعيش حالة القصف المرعب كل طفل، وامرأة، وكأن إسرائيل تريد أن تضمن شيئاً عز عليها تحقيقه من قبل، إسرائيل تريد أن تحييد مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة من دائرة الصراع، وتريد أن تخرج هذه القطعة من الأرض مع سكانها من التأثير على مجريات حل أو تصاعد الصراع في الضفة الغربية.
وللتذكير فقط؛ فإن إسرائيل قد نجحت سابقاً في تجربة مماثلة، عندما فصلت أربعة ملايين لاجئ فلسطيني يسكنون في لبنان وسوريا، والأردن، وعزلتهم عن ساحة المعركة، ونجحت في تحديد أبعاد الصراع بحيث لا يتجاوز الأرض الفلسطينية المحتلة، وصورت الأمر على أنه نزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وضربت بعنف وقوة كل مصدر إطلاق نار تعرض لإسرائيل من الدول العربية، وخلقت فهماً عاماً لدى دول الطوق العربي بضرورة عدم التعرض لإسرائيل من أراضيها، وأن المعركة هناك، في فلسطين، لقد أخرجت القوة العسكرية الإسرائيلية جميع الدول العربية من أرض المعركة، وهاهي تسعى اليوم لإخراج أرض غزة عن دائرة الصراع، وإبقاء المعركة على هيئة نزاع بين سكان الضفة الغربية وإسرائيل؟
إن نجاح إسرائيل في عزل غزة مقدمة لتوسيع خطة الفصل، وتعميمها على مدن فلسطينية كبيرة في الضفة الغربية مثل نابلس، وجنين، ورام الله، لتصبح مشاركة أهل هذه المدن بعد ذلك في المقاومة عدواناً على دولة إسرائيل ذات السيادة؟
هنا يمكننا تخيل صورة الحل السياسي لمجمل القضية الفلسطينية، بما في ذلك القدس، واللاجئين من وجهة النظر الإسرائيلية، ما دام لا يعترضها عارض، فبعد أن جزأت إسرائيل القضية الفلسطينية إلى قطع صغيرة، وحولتها من صراع عربي إسرائيلي إلى نزاع مع الفلسطينيين، تعاود استنساخ التجربة، وتجزئة النزاع إلى خلافات مع المدن الفلسطينية.
ما سبق يؤكد أن خطة الفصل الإسرائيلية جاءت لمصلحة إسرائيلية محضة كما عبر عن ذلك أرئيل شارون، ولما كانت هذه الخطة ستنفذ من طرف واحد، فإن إسرائيل حرصت على أن يتم الانسحاب بسلام، دون قذائف، ودون إطلاق نار يوحي أن الجيش الإسرائيلي أخلى غزة مضطراً، وسحب مستوطنيه صاغراً، وهذا ما تم فعلاً رغم بعض حالات خرق التهدئة المتعمد من بعض الفصائل الفلسطينية.
وهنا أذكر كل فلسطيني في قطاع غزة عاش أحداث الأشهر الأخيرة ميدانياً، كيف كان المقاومون يطلقون يومياً القذائف باتجاه المستوطنات، وباتجاه بلدة إسدروت، ولم تقم إسرائيل بالرد نهائياً، بل نفذت المقاومة عمليات عسكرية في أكثر من مستوطنة، ومن ضمنها ميراج، قتل فيها إسرائيليون، ولم تقم إسرائيل بالرد، لقد تعاملت إسرائيل مع التهدئة بشكل أغرى الكثير من المقاومين لمواصلة استفزاز الإسرائيليين، الذين التزموا بشكل حديدي لشيء في نفس يعقوب، وإلى حين إكمال إعادة الانتشار، وتسويق خطة الفصل على العالم.
اليوم يجيء الرد الإسرائيلي ليقول: قواعد اللعبة قد تغيرت، لن نسمح لكم بممارسة ما قمتم به سابقاً، ولن نسمح لكم بتطوير قدرات عسكرية تؤثر على مستقبل الحرب والسلام، وإذا كانت السلطة الفلسطينية لم تقم بنزع سلاح المقاومة، فإن إسرائيل تعرف أين توجه الضغط لتحقيق ذلك، فاشترطت نزع سلاح حماس مقابل مشاركتها في الانتخابات التشريعية، وانتزعت من اللجنة الرباعية موقفاً يعزز هذه الفكرة الإسرائيلية، ولما لم يجد كل ذلك نفعاً، ولم تقع الحرب بين المقاومة والسلطة كما تمنت، وتوقعت إسرائيل، ولم يضعف حضور حماس وغيرها من الفصائل ميدانياً، اضطرت إسرائيل إلى تحريك آلة حربها الضاغطة لتحقيق أهداف سياسية، لها أبعاد استراتيجية، كانت قد عجزت عن تحقيقها سابقاً.
إن في هذا التصعيد الإسرائيلي المتواصل رسالة تهدف إلى التوصل إلى صيغة اتفاق جديد مع السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة؛ يقوم على عدم الرد الفلسطيني نهائياً على أي عمل عسكري إسرائيلي ينفذ في الضفة الغربية، وعدم التدخل فيما يجري هناك، ويهدف إلى تغييب غزة وسكانها نهائياً عن دائرة الحدث السياسي والعسكري في الضفة الغربية، ويطلق يد إسرائيل في تنفيذ خطط فصل مع سكانها وفق المصلحة الإسرائيلية العليا.
ما سبق من اجتهاد في الرأي يحتم على السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة العمل سوياً للحفاظ على وحدة الصراع والحل بين الضفة الغربية وقطاع غزة مهما كلف الأمر، بل ويجب التأكيد على ذلك مهما بلغت التضحيات، وبالتالي يفرض على كل غيور عدم ترك الضفة الغربية تحت مقص التعاليم اليهودية تفصل منها الهيكل الثالث على هوى الخرافة. - (مفتاح 25 ايلول 2005) -