إنَّها "الوثنيَّة"، التي تضرُّ ولا تنفع، نراها في الخطاب العقائدي ـ السياسي لدى تنظيمات فلسطينية ذات نفوذ شعبي واسع، وتُراثٍ "جهادي" عظيم، كـ "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، فـ "السيف"، مهما عَظُمَ، لا يستحق هذا "التأليه"، و"مؤلِّهُوه" لا يستحقِّون هذا الـمصير، فمَنْ "ألَّهَ" السيف، مصيرهُ أنْ يستعبده السيف.
لقد أوشكت هذه "الوثنيَّة" على أنْ تحملهم على القول الآتي: سنظلُّ "نحارِب" إسرائيل ولو عَبْرَ "حرب أهليَّة" بين الفلسطينيين. سنظلُّ نحتفظ بـ "سلاحنا"، و"مسلَّحينا"، و"مظاهِر وجودنا العسكري والقتالي"، ولو كانت عاقبة ذلك الدخول في "حرب أهليَّة"! نَعْلَم (وهذا عِلْمٌ في منزلة الإيمان) أنَّ إسرائيل، وفي عهدها الشاروني على وجه الخصوص، لا تفهم غير لغة القوَّة (العسكرية) وأنَّها لن تعطي الفلسطينيين (في الـمفاوضات أو مِنْ غير مفاوضات) ما ليس في وسعهم أخْذه منها بالقوَّة العسكرية، وبالـمقاوَمة في أشكالها كافَّة. ونَعْلَم أنَّها لـم تُضْرَب عسكرياً بما يكفي لجعلها تَنْظُر إلى الـمشكلة القومية للشعب الفلسطيني بعيون تشبه ليس عيون "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وإنَّما عيون "السلطة الفلسطينية"، التي جَنَحَت لسلـم يُجْحِف كثيراً بالفلسطينيين وحقوقهم القومية، وإنْ كان "الواقع الصخري" هو الذي أنْبَتَ الحاجة إليه.
نَعْلَم كل ذلك، وغيره مِن الحقائق الـمُرَّة والـمريرة، ولكن ما ينبغي لنا أنْ نَعْلَمه، الآن، وقَبْلَ فوات الأوان، هو أنَّكَ قَبْلَ، ومِنْ أجل، أنْ "تصفع" عدوَّكَ ينبغي لكَ أنْ تملك مِنَ "القوَّة ورباط الخيل" ما يردعه عن "قطع رأسكَ"، فلا بأس مِنْ يرد لكَ الصفعة صفعتين. لا بأس مِنْ أنْ تضربه بـ 33 صاروخاً، فتُصيب خمسة مِنْ أفراده بجراح، إذا ردَّ لكَ هذه "الصفعة" بصفعتين، فخسارة مِنْ هذا القبيل تتكبَّدها يمكن تعويضها، كما يمكن جعلها طريقاً إلى "النصر".
هذه هي "الحرب" التي يتمنَّاها الفلسطينيون، ولكنْ ما نيلها بالتمنِّي، فالحرب التي أعدَّها لهم شارون، الذي هو هوية زماننا الدولي والإقليمي والعربي، وشرع يخوضها، بَعْدَ، وبفضل، إخراجه الـمستوطنين والجنود الإسرائيليين مِنْ قطاع غزة، هي حرب الجبناء، الذين لديهم مِنْ وسائل الـموت والدمار ما يمكِّنهم مِنْ تدمير وإحراق "القطاع"، والقضاء على أهله، عن بُعْد، ومِنْ دون أنْ يتكبَّدوا خسائر تُذْكَر، فهل تعلِّلُ "الضحيَّة" نفسها بـ "أوهام الديانة الرابعة"، التي يدين بها العالَم، كذباً ونفاقاً؟! هل تَنْتَظِر، كمَنْ يَنْتَظِرُ سقوط السماء على الأرض، أنْ تُرْسِلَ "السماء العربية" على شارون، "طيراً أبابيل"؟!
أم تَنْتَظِر صحوة "الضمير العالـمي والإنساني"، وخروج القيم والـمبادئ الديمقراطية، التي تنبح علينا، مِنْ أجداثها؟! هذا "السلاح"، وجوداً واستعمالاً، لا يحمي قطاع غزة وأهله مِنْ "حرب التدمير والإبادة" عن بُعْد، ولا يردع إسرائيل الشارونية عن شنِّها والـمضي قُدُماً فيها. قد يردعها عن اقتحام الـمدن والقرى والـمخيَّمات، ومقاتَلة الفلسطينيين في الشوارع والأزقَّة، ولكن أليس هذا بالشيء الذي لا تُفكِّرُ فيه إسرائيل ولا تريده هنا؟! ومع ذلك، لا بدَّ مِنْ تنظيم هذا السلاح، وحامليه ومستخدميه، في طريقة تفيد، أوَّلاً، في تعزيز القدرة الدفاعية الفلسطينية في مواجهة خطر (أو احتمال) الاجتياح البري الذي مِنْ هذا النمط، كما تفيد في إظهار وتأكيد السيادة الأمنية والعسكرية للسلطة الفلسطينية.
الفلسطينيون يحتاجون الآن إلى هذا وذاك. كما يحتاجون إلى امتلاك "سلاحين" أقوى وأشدُّ رهبة وتأثيراً مِنْ "صواريخ القسَّام". وهذان "السلاحان" هما: "الديمقراطية"، و"الـمقاوَمة الشعبية الشاملة"، التي فيها مِنْ "مسيحية الـمسيح" ما يكفي، ومِنْ "فَنِّ كلاوزفيتس" ما يكفي.
وعلى الذين فضَّلوا "الحرب الأهلية" على التخلي عن "السيف الـمسلول" أنْ يتبصَّروا عواقب "سقوط (أو إسقاط) السلطة الفلسطينية". عليهم أنْ يَعْلـموا أنَّ هذا "السقوط (أو الإسقاط)" هو ذاته سقوط (أو إسقاط) "الخيارين" معاً: "خيار الحل عَبْر الـمقاوَمة العسكرية"، و"خيار الحل عَبْرَ التفاوض". وعليهم أنْ يَعْلَموا أنَّ سقوط (أو إسقاط) هذا وذاك هو ذاته "السيادة الـمطلقة للخيار الشاروني"!
جريدة الأيام (30/9/2005).