مشهد لن تنساه الذاكرة، قد لا يتكرر قياسا بما نشاهده اليوم من حالة التنافر في مؤسستي الرئاسة والحكومة الفلسطينية، وما في الأفق من كوارث تنتظرنا في غزة، قد تصل بنا الأمور إلى الحنين والعودة لماضي الاحتلال الإسرائيلي عندما كان محتلاً لقطاع غزة.

فعندما كان المحتل الإسرائيلي يقتل أطفالنا ونساءنا وشيوخنا، كنا نحتسب قتيلنا عند الله شهيداً، وكنا نعد له عرساً أثناء فترة جنازته الثلاثة ايام على اعتبار أننا نزفه إلى الحور العين في العليين، وكان لأهل الشهيد الصبر والسلوان، ذالك لأن القاتل هو عدو الله وعدونا، ولأن الشهيد هو مظلوم يعيش بين ثنايا قانون الغاب. مرابط على أرضه التي اغتصبت. مدافعاً عن دينه ووطنه، وهو خط الدفاع الأول في مواجهة حلم الدولة العظمي للكيان العبري والممتد من النيل إلى الفرات.

ولهذا كان الإنسان العربي الذي يعيش في الأقطار العربية الشقيقة يحسدنا على ميتتنا، وكان يتمنى أن يرابط بدلاً منا في وطننا، ذلك لأننا نأجر من رباطنا في أرض الرباط، ومسرى نبينا محمد عليه السلام.

أما وبعد أن دُحر المحتل عن أرضنا. وأصبحنا قاب قوسين من التحرير الكامل لقطاع غزة، فان الأمور تزداد تعقيدا بدءاً من أول جلسة تشريعية بثت على الفضائيات العربية المختلفة، وكان النقاش فيها كحرب بين الغالب والمهزوم، لدرجة أننا تمنينا أن تبتلعنا الأرض قبل أن نرى هذا التخبط السياسي في المؤسسة الفلسطينية المشرعة للقوانين العامة والخاصة لتسير أمور الشعب الفلسطيني.

هذا التناقض السياسي بين اكبر حركتين فلسطينيتين انعكس على الشارع الفلسطيني بالدرجة الاولى، فما أن أفاق الشعب من صدمة الإشكاليات الإدارية حتى جاءت عقبة الرواتب ومستحقات الموظفين حتى الساعة، وما تبعها من تظاهرات هنا وهناك احتجاجاً على عدم صرف تلك الرواتب للشهر الثالث على التوالي، وسرعان ما تم الهاء الشارع الفلسطيني، حتى دخلنا في دوامة قوة المساندة التابعة للداخلية الفلسطينية والية عملها وقانونيتها، واليوم جئنا بالفتنة والاقتتال بين تلك القوة المساندة وأفراد من الأجهزة الأمنية، راح ضحيتها أناسٌ ليس لهم ناقة ولا بعير في تلك الأزمة السياسية التي تعصف بالرئاسة والحكومة والتي سرعان ما انعكست على الشارع الفلسطيني .

ورغم كل محاولات زرع الفتنة بين حركي فتح المعارضة وحماس الحكومة، إلا أنني وجدت بصيص أمل عندما شاهدت صباح اليوم أحد أفراد الشرطة يجلس بجوار أحد أفراد قوة المساندة في أحد مفترقات شوارع غزة، بينما كان الأول يأكل طعام الإفطار والثاني يشرب كوباً من الشاي بعيدا عن المناكفات والاقتتال الداخلي والذي سيصل لحد الفتنة والحرب الأهلية، ولربما كانا يتحدثان عن أمور الحياة العامة والعلاقات الأسرية والعائلية بينهما، والذي يعكس في مجمله حالة من الرغبة في التناغم والعيش سوياً جنبا إلى جنب في ظل الحكومة الجديدة.

فلنقتتل على طاولة المفاوضات والمباحثات وقبة التشريعي، ولكن لا يجب ان ينعكس هذا على الشارع الفلسطيني، لأن كاهل المواطن الفلسطيني أنهك أصلا منذ عشرات السنين جراء بطش الاحتلال الإسرائيلي، ولندع الناس تعيش في جو من الأمن كي يتسنى لها الصبر لمحاربة الفقر المتزايد والبطالة وتفشي السرقة في مجتمعنا، وانتم يا حراس الوطن لا نريد منكم أمننا، فقط أمنوا أنفسكم على أرواحكم، ونحن كمجتمع وشعب سنتكفل بأمن البلد والشارع.

جلوس هذان الشابان في جو اخوي تحت مظلة وضعت خصيصاً لشرطة المرور على المفترقات تجعلنا نبشر خيرا في غد أجمل عندما تعود اللحمة من جديد بين أبناء الدم الواحد، بعيدا عن ضوضاء الإعلام الموجه والسياسة الكاذبة. فهل لساستنا أن تحذوا حذو الشابين...!