ربما كان من الأسهل علينا أن نكتفي بالقول إن الفارق بين الأحزاب الإسرائيلية هو كالفارق بين "الكوكا كولا" و"البيبسي كولا". غير أن هذا التبسيط سيحجب حقائق جديرة بالانتباه أفرزتها انتخابات الثلاثاء الماضي في إسرائيل.
لقد ذهبت إسرائيل إلى صناديق الاقتراع وهي تعيش في ظل لحظة تاريخية صنعها أرئيل شارون. فعلى مدى خمس سنوات، ومستثمراً بشكل أساسي رياحاً مواتية في واشنطن تكرست وجهتها وحدتها بعد غزوة السيد بن لادن في مانهاتن، أعاد الجنرال، الراقد في غيبوبة عميقة الآن، صياغة المشهد السياسي الإسرائيلي. وواضعاً نصب عينيه، كهدف أساسي، فرض رؤيته للحل النهائي للصراع مع الشعب الفلسطيني، واصل شارون شن حرب التدمير والإلغاء لـ "الشريك الفلسطيني"، مقدماً إياه للعالم كـ "توأم" لـ "القاعدة"، وفي الوقت نفسه، كان الجنرال يقوم بمهمة صعبة لترويض اليمين الإسرائيلي لإعادة إنتاجه بما يتوافق وبرنامجه، وبمهمة أسهل لجر حزب العمل إلى مواقع ملحقة ببرنامجه هو، وكانت النتيجة: أنه بنى ما هو أقرب إلـى "الإجماع الوطني" الإسرائيلي المؤيد لخططه والمتجاوز للتقسيمات الحزبية والإثنية، محققاً ما عجز عنه قادة إسرائيليون كثيرون.
وعندما أنجز شارون خطة إخلاء غزة، فقد كان يحقق ذروة نجاحه السياسي. وفي حين كان حلفاؤه الدوليون يتوسلون مساعدته، مشفقين عليه من عواقب "مغامرته التاريخية الشجاعة"، فقد نفذ الإخلاء بأقل قدر ممكن من "الخسائر"، وفي حين كانت بعض العواصم تُعدُّنا لمراقبة مشاهد درامية ضخمة، بمواصفات "هوليوودية"، شهدنا إخلاء ينفذ بسرعة مفاجئة للجميع، وسط عدم اكتراث شعبي في إسرائيل، باستثناء مشاهد قصيرة في بعض مستوطنات غزة، بدت أشبه بالإنتاج السينمائي "البوليوودي" الهندي.
وعندما حمل شارون معظم "متعلقات" الليكود وافتتح بها حزب "كاديما" فقد كان، في واقع الأمر "يُظَهِّر"، في صورة مكبرة، لقطات التغييرات المتعددة التي ساهم بصنعها. وبهذه الخلفية، ذهبت أقل نسبة تسجّل من الناخبين الإسرائيليين لتصوت على برنامج شارون الغائب.
إن قراءة في النتائج تشير إلى تراجع نسبي في قدرة الأحزاب المتشددة سياسياً ودينياً على ممارسة الابتزاز في تشكيل الحكومة، وأيضاً على فرض الفيتو ضد مشروع شارون الذي يعني، في إحدى صوره، التخلي عن برنامج إسرائيل الكبرى الذي تتبناه هذه الاحزاب. ولكن وفي المقابل، فمن الواضح أن الناخبين الذين التفتوا للشأن الاجتماعي، لم يعطوا تفويضاً مطلقاً لخليفة شارون. أي أن أولمرت، الى جانب افتقاده لمقومات شخصية شارون، لا يمتلك "طاقة انتخابية" كافية للإقلاع السريع نحو استكمال مشروع سلفه، فسيكون بجانبه شريك إجباري يتمثل في حزب العمل، المنتشي بما يمكن أن يمثل ولادة جديدة له، والذي وإن كان يؤيد الهدف فإنه يفضل حلاً تفاوضياً مع "الشريك الفلسطيني".
لا يعني كل ما تقدم أن خطر خطة شارون ــ أولمرت قد ابتعد أو تقلص، فلأولمرت تفويض وإجماع كافيان لمواصلة الاستيطان وحرب الإلغاء، غير أن مهمته ستكون أصعب لو فشل في إقناع العالم بعدم وجود "شريك فلسطيني"، وهي الذريعة التي بدأت الإدارة الأميركية بالتلويح بها كمؤشر إلى إمكانية استعدادها، لاحقاً، لتأييد برنامجه.
ما تقدم يقود لاستنتاج قديم جديد، وهو أن حكومة السيد اسماعيل هنية مطالبة بموقف يتجاوز مجرد إعلان رفض لخطة أولمرت يتعامل معها، في بعض الوجوه، كقضاء وقدر. وما هو مطلوب من حكومتنا الجديدة نفي ذريعة "غياب الشريك" بتأكيد موقف قديم للسلطة والمنظمة يعلن الالتزام بالشرعية الدولية.