لن يكون موقف حكومة أولمرت أفضل أو أكثر استعدادا لإنجاح عباس، لأن “الإسرائيليين” جميعا على اختلاف مسمياتهم لا يريدون الاعتراف بأي من حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية.

أخيرا أدت حكومة إسماعيل هنية القسم أمام الرئيس محمود عباس، ومنذ اللحظة التي انتهت فيها مراسم أداء القسم أصبحت (حكومة حماس) هي الحكومة الفلسطينية، وأصبح من الواجب ألا تنسب إلى الحركة التي انبثقت عنها. ولهذا لن يكون اتهاما القول بأن من يصر على اعتبارها (حكومة حماس) إنما يريد ويقصد الطعن في صفتها التمثيلية، والتأكيد والإبقاء على فئويتها وعلى الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية، كما في السلطة الفلسطينية.

لا أحد ينكر (التباين) القائم بين وجهتي النظر التي تمثلهما مؤسسة الرئاسة الفلسطينية من جهة ومؤسسة الحكومة الفلسطينية من جهة أخرى، وقد اعترف بهذا التباين كل من الرئيس عباس ورئيس الحكومة هنية. وكلا الرجلين أبديا، حتى الآن، من المرونة ما يكشف عن رغبة في التعايش وإن كان كل منهما سيحرص على أن يكون برنامجه السياسي هو الموضوع قيد التنفيذ (وكلاهما انتخب على أساس برنامجه كما يقول).

الراغبون في إفشال حكومة هنية كثر، وهم يراهنون على بروز الخلافات بين الرئاستين في أكثر من قضية تواجه الحكومة، وتندرج في الإطارين الداخلي، الاقتصادي والأمني، والسياسي، ويتوقف عليها نجاح أو فشل الحكومة. وهؤلاء يرون أن هذه الخلافات لا حلول سريعة وناجعة لها وستؤدي في نهاية الأمر، وعاجلا، إلى الصدام ثم الفشل. إن كلا الطرفين في السلطة يصر على أن برنامجه هو الأصح، وقد اتفقا حتى الآن على موضوعات الاختلاف، وأعطى كل للآخر حرية أن يجرب ما لديه (لخدمة مصالح الشعب وأهدافه واسترداد حقوقه).

وللإنصاف نقول إن المرونة جاءت من طرف الحكومة. لقد فوجئت السلطة وحركة (فتح) بالانتصار الذي حققته (حماس)، ولأنهما عرفتا ذلك متأخرتين لم تستطيعا فعل شيء لإلغائه، فاستغلتاه لتسجيل موقف أكسبهما قدرا من الاحترام. لكن كتاب التكليف الذي وجهه عباس لهنية كان واضحا فيه التلويح بالتهديد باللجوء إلى استعمال صلاحيات الرئيس في إقالة الحكومة (إذا اضطر إلى ذلك). وبعد القسم أعلن عباس أن الحكومة ورئيسها يعرفان أن (عليهما ألا يفعلا ما يدفع شعبنا إلى العزلة). من جانبه، أعلن هنية أن عباس يريد أن يفاوض (وهذه قضيته ولا مشكلة لدينا)، ولكن إذا طُرح علينا شيء فسندرسه، وسنقبل ما يتفق منه مع مصلحة شعبنا وحقوقه. يفهم من هذا السجال (الهادئ) أن رأسي السلطة ثابتان كل على قناعاته، متمسكان كل برؤيته وبرنامجه. وأخطر ما في الأمر هو ما يبدو وكأن الطرفين يلوحان من خلف المرونة الظاهرة والهدوء المصطنع بحق النقض (الفيتو)، كل تجاه الآخر بعد حد معين من الاختلاف أو عدم التوافق. بالطبع يستطيع الرئيس محمود عباس أن يقيل الحكومة، لكن ذلك سيجعله في موقف صعب في مواجهة الجماهير الشعبية التي جاءت بهذه الحكومة. ويستطيع رئيس الحكومة أن يرفض ما يمكن أن يعرضه الرئيس ولا يتفق مع برنامج الحكومة، لكن هذا لن يسهل عليه تنفيذ برنامجه. والمشكلة أن وضعا كهذا لن يؤدي بأي منهما إلى نتيجة مما يريدان، بل إلى مزيد من التدهور الراهن في الوضع الفلسطيني سيتحملان نتيجته معا، ولن تكون لنسب توزيع المسؤولية عنه أهمية كبيرة.

إذاً، هناك الآن، وبعد فشل الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، رهانان في الساحة الفلسطينية: الأول، رهان الرئاسة على فشل الحكومة، والثاني، رهان الحكومة على فشل الرئاسة. لكن رهان الرئاسة يظل ضربا في الغيب حتى لا نقول إنه رهان خاسر، لأن إمكانية نجاح الحكومة هي إمكانية قائمة، يساعد في تحقيقها أولا رصيد الحكومات الفلسطينية السابقة الذي يعادل الصفر. أما رهان الحكومة على فشل الرئاسة فهو رهان مضمون، لأنه يستند إلى معرفة واقعية بحقيقة الموقف “الإسرائيلي” لأكثر من حكومة “إسرائيلية”، موقف أفشل عباس منذ وصل إلى رئاسة الوزراء، ثم بعد أن وصل إلى سدة الرئاسة. وبالتأكيد لن يكون موقف حكومة أولمرت أفضل أو أكثر استعدادا لإنجاح عباس، لأن “الإسرائيليين” جميعا على اختلاف مسمياتهم لا يريدون الاعتراف بأي من حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية. إن ذلك يمنح الحكومة الفلسطينية مبررات عدم التنازل عن أي من بنود برنامجها السياسي، ويعطي جماهير الشعب الفلسطيني مبررات دعم هذه الحكومة. ولا يبقى أمام حكومة هنية من أجل تحقيق النجاح إلا أن تنجز حل بعض مشكلات الحياة اليومية للناس، اقتصاديا وأمنيا، وقد بدا في كلام رئيس الوزراء ما يوحي بثقته في قدرة حكومته على الإنجاز في هذا المجال.

إنه على الفلسطينيين، وتحديدا على السلطة الفلسطينية ذات الرأسين، أن تستغل رأسيها لخدمة الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، وقد يكون من يملك رأسين مفكرين ومخلصين أقدر على الاستفادة من الظروف ممن يملك رأسا واحداً إذا خلصت النيات. - الخليج الاماراتية 7/4/2006 -