إذا كانت "خارطة الطريق" الأميركية الصنع اكتسبت، عن جدارة، سمعة سيئة بين الفلسطينيين لأنها تبدو للكثيرين كطريق "الندامة" حيث "من يذهب لا يعود"، فلن يمنعنا ذلك من استخدام المصطلح والأداة لرسم إحداثيات خارطة طريق "السلامة" التي تجعلنا نصل إلى هدفنا.
وإذا حددنا الهدف بجمل صريحة ومتقشفة من الحشو والبلاغة ومخلفات ملصقات الدعاية الانتخابية الراحلة عن الجدران والأذهان يمكننا أن نتقدم بسرعة نحو رسم الخارطة المرجوة.
ونحسب أنه بإمكاننا في هذه اللحظة الحاسمة، وهي حاسمة بالفعل، أن نجزم أن الهدف هو إنقاذ القضية الفلسطينية، دون مساومة على جوهر الحقوق، من الوقوع في متاهة عزلة دولية تسلبنا أفضلية التفوق الأخلاقي لقضيتنا العادلة، وتتهدد حقوقنا الوطنية الثابتة، وتعصف بكثير مما أنجز خلال العقود الماضية وتجسد في حقيقة توفر إجماع دولي على هدف إقامة الدولة الفلسطينية، وإنقاذها من مخطط إسرائيلي يشعر مخططوه أنهم في موقع أفضل، الآن، لرسم الحدود النهائية لإسرائيل كما تهوى ملوحين بشعار: لا يوجد شريك فلسطيني.
وإذا أراد البعض مبررات إضافية لجدوى اعتماد موحد لـ "خارطة طريق" وطنية سنكرر بدهيات أساسية فنقول إن الوطن أغلى من كل الفصائل والاحزاب والقوى، وإن مصالح الشعب أكثر أهمية من المصالح الفئوية السياسية الضيقة. ونضيف إن "فتح"، عندما كانت تقود السلطة، لم يكن بإمكانها وحدها صياغة الردود الوطنية اللازمة على الاسئلة السياسية والامنية رغم أنها كانت تحظى بالقبول إقليمياً ودولياً. ومن المؤكد أن "حماس"، المواجهة بضغوط هائلة، ستكون أقل قدرة على القيام بهذا العمل. ونضيف ان جدول أعمال حافلاً ينتظرنا ويتطلب، التصدي لمهماته الصعبة، التعفف عن خوض مناكفات حول معبر أو منصب أمني أو رزمة قرارات إدارية، أو انتظار فشل الآخرين.
ونقول.. هناك فرق كبير بين ما يمكن أن نتوقعه أو نطلبه من حركة حماس وبين ما يمكن أن نطالب به الحكومة الفلسطينية التي شكلتها وتقودها "حماس"، فبإمكان الحزب المعارض أن يستمع للنصائح دون أن يكون ملزماً بدراستها أو قبولها، أما الحكومة، فهي مطالبة بأن تصغي جيداً، وأن تدرس مختلف الخيارات، وأن تبدع في النهاية الصيغ التي تؤمن تزاوجاً شرعياً وضرورياً بين برنامجها الانتخابي المعارض وبين متطلبات التحدث باسم السلطة واحترام التزاماتها، وإدارة شؤون الحكم، والتعامل مع حقائق دولية وإقليمية معقدة وقاسية بل وظالمة في متطلباتها التي ترفض التلعثم أو الغموض أو "البذخ" اللغوي الفضفاض بديلاً عن الموقف الواضح.
في حالتنا، مستعيرين هنا أجواء قصص الجدات للأطفال. أمامنا طريقان، لا نحتاج إلى ذكاء كبير كي ندرك أيهما التي يجب أن نسلك. فإما طريق تؤدي الى الوقوع في متاهة عزلة دولية باهظة التكاليف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وإما طريق تقودنا إلى تأكيد توافقنا الاكيد مع الشرعية العربية والدولية وتحصين جبهتنا الداخلية وتعزيز قدرتها على مقاومة خطة شارون ــ اولمرت.
كلمة السر هنا تكمن في: الشراكة الوطنية، وفي قبول مسبق للشريكين الرئيسيين "حماس" و "فتح" لمتطلبات هذه الشراكة وهدفها الذي حددناه.
والخارطة تبدأ من "محطة" انطلاق تقضي بإعطاء الحكومة الجديدة "فرصة للتكيف"، يحدد مدتها الرئيس ورئيس الوزراء، كي تختبر متطلبات الحكم الذي يحتاج إلى شيء يغاير مجرد الاحتفال بتقلده، وإلى ما هو أكثر من التمنيات الطيبة والوعود السخية، وآخر ما يحتاجه بالتأكيد هو قراءات خاطئة للواقع، أو امتطاء صهوة لغة شعارية، أو الإيحاء بالترحيب بتحمل أعباء التماثل مع محاور إقليمية مستهدفة، أو التحسر على إفلاس "خزينة" للسلطة لم تكن يوما، وخاصة خلال السنوات الخمس الاخيرة، عامرة بالأموال بل كانت تتدبر أمورها شهراً بشهر مستندة لشبكة العلاقات السياسية للسلطة.
وهذه الفرصة ضرورية، أيضاً، لإنجاز فصل تدريجي لا غنى عنه بين سياسات حركة حماس المعارضة وسياسات الحكومة الفلسطينية الشرعية التي تنفرد "حماس" بقيادتها وبعضويتها. وبعد محطة الانطلاق هناك في خارطة الطريق ثلاث محطات متداخلة ومتلازمة هي :
1ــ خلال هذه "الفترة ــ الفرصة" يتم بذل الجهود السياسية والدبلوماسية إقليمياً ودولياً لضمان استمرار تدفق المساعدات والرواتب لمنع وقوع انهيارات اقتصادية أو اجتماعية أو أزمات إدارية تطيح بالمؤسسات القائمة، ولمنع حدوث تآكل في علاقاتنا العربية والدولية، كما يجري تكثيف العمل نحو وضع برنامج لتفعيل مؤسسات منظمة التحرير وضم "حماس" و "الجهاد" إلى صفوفها.
2 ــ تكريس عملي للمبدأ القانوني والسياسي الذي يوكل مهمة المفاوضات إلى منظمة التحرير، بحيث يقوم الرئيس، المسؤول الأول عن السياسة الخارجية، بالتحرك في هذا الصعيد بتأييد رسمي من الحكومة ودون مناكفات من جانبها، مع إحياء لجنة المفاوضات بحيث تتمثل "حماس" الحكومية فيها دون أن يعني هذا إلزامها بالمشاركة المباشرة في المفاوضات، بل إنها تستطيع القول إنها ستراقب وتمنع وتفضح أية "محاولة للتفريط بالحقوق الوطنية الثابتة"، ودون أن يعني هذا الزامها بقبول ما يتم التوصل إليه، إن كان هناك شيء ما، لان الرئيس اعفاها وأعفى الجميع من هذا العبء عندما اعلن في حملته الانتخابية للرئاسة أنه سيعرض ما قد يتم التوصل اليه على الشعب في استفتاء عام لاقراره أو رفضه.
ودون إثارة للاوهام في هذا المجال، نشير إلى أنه يصعب توقع أية مفاوضات جدية في المستقبل المنظور، غير أن الغرض هنا يتعلق بسحب ذريعة "عدم وجود شريك سياسي" من التداول في الاوساط الدولية، والحيلولة دون وقوع انهيارات في منسوب التأييد للحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية والاقليمية.
3 ـ7ـ ولأن معطيات الواقع تفترض وقوع "تنافر" أو "تجاذب"، في أحسن الاحوال، حول معالجة قضايا المؤسسة الامنية، فإن هناك حلاً عملياً يتمثل في إحياء مجلس الامن القومي برئاسة الرئيس وعضوية رئيس الوزراء ووزير الداخلية وقادة الاجهزة الامنية التابعة للرئاسة وفق القانون الأساسي لوضع وتنفيذ السياسة الامنية لانهاء الفوضى والفلتان الامني، وتحقيق الأمن والأمان للمواطن وتحقيق سيادة القانون، وحل أية مشاكل تطرأ، وقد نرفع سقف توقعاتنا وتفاؤلنا بأن يعمل هذا المجلس على دمج التشكيلات المسلحة للفصائل في جسم القوات الرسمية لنحقق ما نجزم انه يحظى بتأييد كل مواطن فلسطيني في تجسيد "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد".
ووفقا لهدف الخريطة فإن محطة "الوصول" النهائية، في نهاية "فرصة التكيف" الضرورية، ستتوج بتحقيق توافق وشراكة وطنية يقدمان موقفا سياسيا موحدا للمؤسسات الفلسطينية، موقفا يؤكد التوافق مع الشرعية الدولية ويكسر أسوار العزلة التي تتهددنا، وينفي ذريعة "غياب الشريك" الاسرائيلية0 كما أن الوصول للمحطة النهائية يمكن أن يولد آفاقا ومناخات جديدة قد تقترح صيغا، لم تكن ممكنة في السابق، للشراكة على مختلف المستويات بهدف تقاسم الاعباء وصياغة الرد الوطني اللازم على كل الاسئلة الصعبة.
هل يبدو هذا السيناريو حالماً وخيالياً؟.. ربما. هل تبدو طريق هذه الخارطة، وللوهلة الاولى، شاقة وعرة المسالك بدرجة ترقى إلى مرتبة استحالة محاولة عبورها ؟.. ممكن. هل توجد هناك طريق آمنة أخرى ؟.. لا. - الأيام 8/4/2006 -