في قصيدة الشاعر الكبير " دي موسيه" يجوب طائر البجع المحيط الفارغ بحثا عن طعام يسد به رمق فراخه الجائعة.
وحين يجد المحيط مقفرا وخاويا من الاسماك فانه يعود الى الشاطئ ويضم فراخه تحت جناحيه ثم يطلق صرخته الوحشية الاخيرة ويلفظ أحشائه الخاوية طعاما لفراخه في وليمة أبوية تراجيدية.
وفي ميثولوجيا الشعوب يقال بأن كبار السن في قبائل الاسكيمو يقدمون أنفسهم كوجبة دسمة مجانية للدب القطبي كيما لا يصبحون يوما عالة على ذويهم ومن أجل تأمين حياة كريمة للاحفاد.
الحكومة الفلسطينية ولدت جائعة وأمعائها خاوية , وان لفظت كل ما فيها فلن ترد سغب وجوع وشقاء الشعب الفلسطيني المطالب بفقدان عقله وذاكرته وأحداقه وأصابعه بل ومد عنقه تحت حد المقصلة وقتله في نهايات الدراما العربية كمدا وقهرا وجوعا.
لقد أسقط الجياع الباستيل تحت تأثير الجوع والبطالة والفقر في فرنسا القرن الثامن عشر , وأسقطت الجماهير الارجنتينية الجائعة الحكومة المفلسة عام 2001 وغرقت البلاد في الفوضى العارمة.
ثورات الجياع تمتد منذ ميلاد القهر والظلم في ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس ولن تنتهي بانهيار أنظمة الحكم في دول امريكا اللاتينية وأفريقيا وشرق أسيا , بل بدفن القهر والظلم الى الابد.
الجوع هو الاداة الامريكية – الاسرائيلية الجديدة والتي سخرت لاجبار الشعب الفلسطيني على خلع أوراقه وغصونه ونسيان جذوره .
هم يعرفون مدى تأثير الجوع والسغب في الجسد المصلوب بالمسامير حين تكون في مرمى كل البنادق وتوصد في وجهك أبواب الدنيا ويصرخ أطفالك في عتمة الليل العربي البهيم جوعا وعريا فلا يتبقى امامك سوى أن تموت كمدا أو تتحول الى طائر البجع .
الجوع يرافق القهر في غزة, يشبان عن الطوق فتنفجر المدينة المصابة بالدوار , في شوارع غزة يختلط الحابل بالنابل , وجوه غريبة تطل من خباء الزمن الردئ , تليق بالمرحلة الرمادية, ظاهرة انتشار باعة السجائر من معدمي ومحدودي الدخل ومقطوعي الرواتب في تزايد!!
كما أن حالات اطلاق النار الاستعراضية والتهددية والتوبيخية والعبثية في تزايد أيضا , أبواق سيارات الاسعاف واليأس في حدقتي شرطي المرور وأعصاب الباعة المرهقة والقهوة السادة , تذكرك بأنك في غزة.
طائرات الاستطلاع الاسرائيلية ومروحيات الاباتشي والطيور السوداء تبحث عن فرائسها في أزقة المخيم , قذائف المدفعية الاسرائيلية تتساقط في عبث وخيبة في الشمال المسهد !
أهل غزة يتناولون السياسة مع الشاي والقهوة بحكم العادة , وابن الجيران الذي لم يتجاوز السابعة من عمره يعرف تمام المعرفة أن الموظفين الغلابة بلا رواتب منذ شهرين , وأن للمدعو أولمرت خطة أحادية الجانب , وصاحب البقالة يستغل الظروف لرفع بعض الاسعار !
الشعب الفلسطيني لا ينتظر رصاصة الرحمة والحكومة لن تموت على طريقة خليل حاوي أو تترك الساحة على طريقة سوار الذهب , ولن تحذو حذو الجماهير الارجنتينية .
الجماهير الفلسطينية لن تقبل باختزال طموحاتها الوطنية وحصرها في موضوع تأمين الرواتب .
الجماهير الفسطينية بحاجة الى طائر " دي موسيه" ليس من أجل التهام أحشائه الخاوية , بل للالتفاف حوله وتحويل الجوع الذي نحارب به الى فأس يحطم كل الابواب الموصدة . - مفتاح 29/4/2006 -