لم يمض يوم واحد من أيام العدوان إلاَّ وأبادت القوات الإسرائيلية عائلة أو مجموعة من الأبرياء. وعندما دقت مجزرة مروحين، التي ذهب ضحيتها 23 مواطناً ومواطنةً من بينهم 9 أطفال ناقوس الخطر، لم تحرك الدول الثماني المجتمعة في بطرسبورغ ساكناً. وواصلت طائرات المعتدين هدم المنازل على عائلات في النبطية وصور وعيترون وبنت جبيل وضاحية بيروت الجنوبية، وأصبح عدد القتلى بالمئات والجرحى بالآلاف والمشردون بمئات الآلاف، فجاء رد سيدة الحرب الأميركية السيدة رايس، على الطلبات المتكررة لوقف العدوان: "من المبكر الحديث عن وقف إطلاق نار". هذا الموقف يذكرنا بموقف أولبرايت، الوزيرة الأميركية السابقة التي قالت: "أعتقد أن عدد عشرة آلاف طفل قتيل مناسب". في ردها على دهشة أحد الإعلاميين من ضخامة عدد الأطفال العراقيين الذين ماتوا جراء الحصار الأميركي على العراق. وتواصل العدوان الإسرائيلي الذي مضى في تحطيم البنية التحتية للبنان فدمر قافلة من سيارات الإسعاف الآتية من دولة الإمارات العربية، وقصف موقعاً للأمم المتحدة ذهب ضحيته أربعة من جنود حفظ السلام، وأحرق مستودعات الوقود محدثاً أبشع جريمة تلوث في البحر المتوسط، في مواجهة ذلك منعت الولايات المتحدة مجلس الأمن من اتخاذ موقف يدعو لوقف إطلاق النار، ومنعت هدنة الـ48 ساعة التي اقترحتها منظمات إنسانية تابعة للأمم المتحدة لغرض انتشال الجثث من تحت الأنقاض وتمكين المدنيين من البحث عن أماكن آمنة بعض الشيء.

وتواصل العدوان الوحشي فارتكب المعتدون مجزرة قانا الثانية بدم بارد، وذهب ضحيتها 62 مواطناً ومواطنةً من بينهم 42 طفلاً، كانت هذه المجزرة المروعة كافية لوقف العدوان كما حدث بعد مجزرة قانا الأولى العام 1996 غير أن سيدة الحرب رايس، وإدارة بوش، لم توقفا الحرب ومنعتا مجلس الأمن من إدانة المجزرة ورفضتا تسميتها جريمة حرب.

مجزرة قانا الثانية هي امتداد للمجازر السابقة والحالية في لبنان وفلسطين والعراق، الجديد هو اعتماد المجازر كأسلوب للحرب الأميركية الإسرائيلية وليست عملاً استثنائياً. وهذا ما يفسر تأمين الحماية لأصحابها وإضفاء نوع من "الشرعية" عليها باعتبارها شكلاً من أشكال "الدفاع عن النفس" وإرهاب دولة في مواجهة "الإرهاب". وحقيقة الأمر أصبحت المجازر جزءاً أساسياً من استراتيجية العنف الإمبريالي الوحشي الهادفة إلى فرض الهيمنة على الشعوب والدول.

مجزرة قانا وغيرها من المجازر بلغة القانون الدولي هي جرائم حرب ومرتكبوها هم مجرمو حرب لا مندوحة من سوقهم إلى المحاكم. ولكن للأسف لم يقدّم أي من مرتكبي جرائم بحر البقر، والعاملية، وأبو غريب، وصبرا وشاتيلا، والحرم الإبراهيمي، وقانا الأولى، ومخيم جنين، ورفح، وحي الدرج، وشاطئ غزة، وعشرات الجرائم الأخرى للمحاكمة ولم يتعرضوا حتى للمساءلة، وكان من شأن إفلات القتلة من العقاب استمرار جرائم الحرب وتحولها لاسلوب حرب معتمد هدفها إرهاب الشعوب وثنيها عن المقاومة.

عندما يسمح القانون الدولي وقانون العديد من الدول بسوق المجرمين للمحاكمة لماذا يجري تعطيل هذه العملية وكبحها؟ ولماذا لا تتم إدانة الدولة التي ترتكب الجرائم؟ معروف أن ذلك يصطدم بالفيتو والضغوط الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية ومقايضة المصالح من قبل القطب المهيمن . إن أخطر ما في الأمر هو سيطرة القطب الدولي الواحد على الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتعطيله القانون الدولي والشرعية الدولية وكل الاتفاقات والمعاهدات وكل التقدم الذي جاء حصيلة الحرب العالمية الأولى والثانية التي دفعت البشرية ثمناً باهظا لهما ـ حوالي 40 مليون ضحية ـ. واستبدال كل تراث الإنسانية السابق بشريعة الغاب وغطرسة القوة.

إن مستوى مقاومة الدول الكبرى للانتهاك الأميركي ـ الإسرائيلي ضعيف ومحدود وغير مؤثر، وهذا يعود لالتقاء المصالح لدى البعض، وللبحث عن ثمن ومصالح خاصة لدى آخرين. كما أن مستوى مقاومة النظام العربي للتنكر الأميركي وللعدوان الإسرائيلي يكاد يكون منعدماً ويعود ذلك لانفصال مصالح النظام العربي الذي يقايض قبول استمراره في الحكم فقط لا غير بقبول السياسة العدوانية أو السكوت عليها وتغطية النفقات الباهظة. موقف الدول الكبرى والنظام العربي يفسر استمرار العدوان وجرائم الحرب وخسارة الحقوق وتدهور المستوى المعيشي وقطع الطريق على التطور الطبيعي.

غير أن النظام الدولي ذا القطب الواحد،لم يمنع دول أميركا اللاتينية من المقاومة وانتزاع مواقع مهمة في الخارطة الدولية، ولم يمنع دولاً من نوع كوريا الشمالية وإيران من محاولة التمرد النسبي بحثاً عن مواقع فيها قدر من الاستقلال، ولم يمنع الهند من تحسين موقعها دون تمرد، وهذا يؤكد أنه توجد خيارات أخرى.

ويظل العامل الشعبي هو المقرر في عملية التغيير، فالنظام العربي لم يغير مواقفه دون تدخل من تحت، وبهذا المعنى فإن الركود من فوق سببه ركود شعبي وضعف القوى الوطنية الديمقراطية المزمن. كان من شأن احتجاج مئات الآلاف في العواصم العربية ولا أقول ملايين على وزيرة الخارجية الأميركية أثناء زيارتها للمنطقة أن يغير موقف النظام العربي بعض الشيء والتأثير على الموقف الأميركي. كذلك فإن مقاطعة السلع والشركات والطائرات الأميركية بشكل واسع ومؤثر ستكون له نتيجة ملموسة. الشيء نفسه ينطبق على مقاطعة كل أشكال التعاون مع دولة العدوان الإسرائيلي بما في ذلك وجود سفارات وممثليات علنية وسرية في البلدان العربية. وطالما بقيت الاحتجاجات غير منظمة وغير مدروسة ورمزية داخل المساجد والمقرات الحزبية وتضم فقط عشرات ومئات أو بضعة الآف فإن العدوان والمجازر وجرائم الحرب ستتواصل وستبقى مواقف الأنظمة على حالها. إن العدوان الإسرائيلي على لبنان والعدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني يطرحان تحديات كبرى على الشعوب العربية وقواها الوطنية، يأتي في مقدمتها وضع استراتيجية نضال جديدة وجبهة متحدة عريضة.

Mohanned_T@yahoo.com - الأيام 1/8/2006 -