لن تنتهي هذه الحرب، حتي بعد اعلان وقف اطلاق النار. يريد الاسرائيليون اسبوعين آخرين، فليأخذوا ثلاثة. امريكا تعطيهم الزمن من دمنا، ولكن بعد ثلاثة اسابيع، حين يهدأ قصف الطائرات فإن الحرب لن تنتهي.
لا اقول هذا لأني اشعر بمزيج الغضب والحزن امام جثث اطفال قانا. ولا ابشر بالحرب لأني احب الحرب، او اعتقد ان الحرب تقود الي السلام. لا الانفعال ولا التحليل البارد، بل اقتناع بأن الاسرائيليين منذ ان دوخهم انتصارهم السهل في حرب الأيام الستة، قرروا ان الحرب هي لغتهم الوحيدة، وان علي المشرق العربي، من فلسطين الي لبنان، ان يكون ضحية هذيانهم الدموي المتواصل.
هذه الحرب لن تنتهي، لأن اسرائيل وامريكا لن تنتصرا فيها. لقد فقد الاسرائيليون والامريكيون قدرتهم علي اشباع غريزة القتل والغطرسة. لم يعد في وسعهم الارتواء، يجتاحهم عطش الي الدم، مصحوب بخيبة امل عميقة لأن جيوشهم لا تستطيع اخماد خلجات الحياة في المشرق العربي. يريدوننا في لبنان وفلسطين جثثا ومتسولين، يريدون للضحية السجود والخنوع، والاندثار. لن تنتهي الحرب لا لأننا نريد الحرب، بل لأن اسرائيل لا تضع سقفا لشهواتها الدموية، والآن وبعد هزيمتها العسكرية في بنت جبيل، فإنها تريد استعادة هيبتها، لأن حفنة من مقاتلي المقاومة اللبنانية اذاقت لواء جولاني معني الحرب، وقالت لعصابة القتلة التي تحكم اسرائيل ان الحرب ليست نزهة تقوم بها الطائرات، فوق جثث الأطفال.
يجب ان نقرأ مذبحة قانا الثانية في هذا السياق، لكن الهذيان الدموي الاسرائيلي لم يصل الي ذروته بعد. العالم ينسي، لكن ذاكرة الدم لا تنسي، فالدولة التي تفاخر بطهارة سلاح جيشها، تأسست في مذابح تشبه مذبحتي قانا، والجنوب اللبناني الذي ينزف اليوم في عيترون ومارون الراس وبنت جبيل وعشرات القري المدمرة، سبق له ان نزف في مذبحة حولا عام 1948. لذا لا جديد في الأفق. لا جديد لأننا ذقنا طعم الدم من زمان، منذ ان هبط علينا انبياء الخرافة الصهاينة بدولتهم القائمة علي مزيج البربرية والذعر. دولة تأسست كي تخدم قتلة اليهود في اوروبا، مشروع قائم علي ميكيافيلية لا اخلاقية، صار اليوم الجبهة الامامية لجنون امريكي يعتقد انه قادر علي شرب النفط في كؤوس مصنوعة من دماء الفلسطينيين واللبنانيين.
لن تنتهي الحرب لا لأن العرب يحاربون، بل لأنهم لا يريدون الحرب. هذه المعادلة الوحشية التي يصنعها النظام العربي الغارق في ظلام الاستبداد والدفاع عن العروش والبراميل التي تدر الثروات، يتحمل مسؤولية استمرار الحرب، لأن من لا يقاتل لا يستطيع ان يصنع السلام. الم يتركوا الفلسطينيين واللبنانيين لمصيرهم الدموي عام 1982، الا يقفون كالحمقي والمتسولين امام المذابح المتواصلة في فلسطين منذ عام 2000، الم يصمتوا امام الدم الفلسطيني المسفوك في غزة منذ اكثر من شهر، الا يحاولون شراء ضمائرهم بفتات اموال النفط التي يعتقدون انها سوف تمسح آثار الدم عن هضاب لبنان.
الحرب سوف تستمر لأن ايقاف الحرب يحتاج الي حرب حقيقية تفهم امريكا واسرائيل ان الطريق الوحيد الي السلام يمر بالانسحاب من الضفة وغزة والقدس والجولان، وان التذاكي السلمي الاستسلامي الذي بدأ بالمعاهدة المصرية الاسرائيلية فتح الباب امام جحيم الحروب المفتوحة، التي لا تتوقف الا لتبدأ من جديد. لن توقف خزعبلات كونداليزا رايس وسيدها الاحمق الحرب. فأمريكا تريد ان تغطي فشل اسرائيل العسكري المهين بطريقتين: ارسال قوات متعددة الجنسية كي تقوم بما عجزت اسرائيل عن القيام به، و/ او دفع اللبنانيين الي التقاتل من اجل اراحة شمال اسرائيل من الصواريخ. والطريقتان لن تمرا. اللبنانيون لن يتقاتلوا، بل يعون اليوم ان الطريق الاقصر لتخفيف آلامهم هو وحدتهم في مقاومة الغزاة، اما القوات المتعددة الجنسية فانها لن تطأ ارض لبنان، المطلوب قوة فصل علي اساس واحد تبادل الاسري واستعادة شبعا والتحقيق الدولي في الجرائم.
تعرف اسرائيل انها لا تستطيع ابتلاع شرشحتها العسكرية في لبنان، لذا فإن سلاحها الوحيد امام عجز نخبة جيشها عن مواجهة رجال المقاومة هو التدمير. ايلي بيشاي الوزير عن شاس في حكومة اولمرت قالها بصريح العبارة. يريدون تحويل القري اللبنانية الي صناديق من الرمل. الوزير الحصيف ينسي ان مؤسسي دولته ادعوا انهم زرعوا الصحراء، لكن عنصريته جعلته يكشف السر، انهم يريدون تحويل كل ارض العرب الي صحراء. المشروع الوحيد الذي تمتلكه الآلة العسكرية الاسرائيلية اليوم هو تصحير الجنوب. افراغ المنطقة من السكان عبر المذابح والتهجير ثم ادعاء انتصار لن يتحقق.
امام هذا الهول البربري لا يملك اللبنانيون سوي سلاح واحد اسمه الصبر والمقاومة. نصبر حتي ينتهي الصبر في العالم. نصمد الي آخر الصمود. نقاوم بما نملكه من ارادة. ولا نصرخ. لن نقول لهذا العالم العربي ان يستفيق من سباته. لن نستغيث بمن لا يريد غوث المستغيث. بل نقول اننا هنا حتي يفلّ الدم السيف، ويغرق القاتل في دماء ضحاياه.
القدس العربي (01/8/2006).