ليس غريبا ان تمتد الحرب الى ما ابعد من المدة التي حددتها اسرائيل اكثر من مرة من حيث المدة الزمنية ومن حيث البقعة الجغرافية التي تمثل ميدان المعركة الالتحامي بين جنود الاحتلال وبين مقاتلي حزب الله الذين قدموا باعتراف الجنود الاسرائيليين وقادتهم نموذجا قتاليا احترافيا ذو مستويات مفاجئة وخارجة عن التوقعات التي رسمتها اجهزة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية على الرغم من التفوق الاستخباري الذي عهدناه في قدرات الجيش الاسرائيلي على مدى العقود الخمسة الماضية، والتي يبدو انها قدرات تقترب من الوهم بالقياس الى الامكانيات الاسطورية التي اعتادت اسرائيل وجوارها من الدول الاخرى على تسويقها، ولا اصف ذلك بالوهم الا بعد ان اقول ان ذلك لم يظهر على انه وهم الا من خلال القدرات الاستخبارية والامنية العالية التي اتخذها وطورها الطرف الاخر من الحدود الشمالية لاسرائيل، واعني هنا حزب الله، وهنا استذكر والقراء الكرام تلك العمليات الخاصة والنوعية التي اعتادت اسرائيل على القيام بها من خلال اجهزتها المحترفة بالتاسيس على المعلومات الامنية التي دأب الامن الاسرائيلي على جمعها، والتي قامت من خلالها باغتيال واعتقال واختطاف المئات من القادة الفلسطينيين ومناصريهم على مستوى العالم، سواء في داخل الاراضي المحتلة او في الدول العربية او غيرها من الدول على امتداد كافة القارات. واضيف الى ذلك ما تمتعت به اسرائيل من قدرات كانت توصف بالخارقة، ازاء ما اثبتته اسرائيل من قدرة على هزيمة العرب في كل الحروب التي خاضتها ضدهم، والتي ظهر ان معظمها كان مستندا الى المعلومات الاستخبارية التي استطاعت اجهزتها الامنية من الحصول عليها فيما يخص الجيوش والدول الاخرى، باستثناء حرب عام 73 والتي اثبت العرب فيها ( سوريا ومصر ) وخصوصا الاخيرة بقدرتهن على صناعة منظومة امنية استخبارية متقدمة تعتمد جمع المعلومات الدقيقة عن العدو وامكانياته من جانب، وتعمد الى تضليله والتغرير به من جانب اخر، وذلك طبعا بغض النظر عن النتائج النهائية لتلك الحرب التي اعتبرت انها الحرب التي اثبت فيها المقاتل العربي كفاءته كمحارب صلب ومجهز وقادر على التخطيط والقيادة وتحقيق النصر.
وبالانتقال الى الحرب الاسرائيلية على لبنان والتي تدور رحاها الان، وهي الحرب العربية الاسرائيلية السادسة، فاننا نجد ان هناك شيئا جديدا يتداخل مع المتابعات اليومية لهذه الحرب، وتحديدا في المجال الامني، حيث ان الاستنتاج القائم الان يقود الى ان واقعا امنيا جديدا قد تم تشييده من قبل حزب الله، هذا الواقع الذي اتضح لنا بان الاسرائيليين لم يقراوه جيدا، بل انهم لم يقراوه بالمطلق، فوجدنا ان حزب الله قد استطاع رفع كفاءته الامنية بطريقة لافتة، اي بطرق بنائية جديدة، سواء من خلال قدراته الاستطلاعية التي يبدو انها مناسبة ومقبولة الى حد كبير بالنسبة لحزب لا يمتلك من امكانيات الجيوش الكثير، وحيث ان التصنيف العسكري لحزب الله يندرج في اطار جماعات حرب العصابات، وهي جماعات يتعذر عليها ان تبني منظومة امنية استخبارية متقدمة ومستقرة كما هي الجيوش النظامية التي تمتلك اسرائيل واحدا من اقواها واكثرها استقرارا في العالم المتقدم، وبالقياس والمقارنة، وبالقراءة المعمقة للاعلام العسكري الاسرائيلي نرى وبلا شك بان هناك نقصا فادحا في تدفق المعلومات الامنية لدى الجيش الاسرائيلي، والذي ادى بدوره الى تخبط سياسي في كيفية ادارة الحكومة الاسرائيلية لهذه الحرب التي يبدو انها لن تستطيع حسمها بالضربة القاضية كما اعتادت اسرائيل في كل حروبها، المباشرة منها والاستباقية.
الان فان الطاقات العسكرية الاسرائيلية باتت مرتبطة بمقدار تدفق المعلومات الامنية التي اتضح نقصها الفادح لدى الاسرائيليين المتعثرين في كافة خيوط مواجهتهم الجوية والبرية والبحرية، فقد اخفق سلاح الجو الاسرائيلي حتى الان في تدمير الترسانة الصاروخية التابعة لحزب الله، في ذات الوقت الذي فشل فيه هذا السلاح في اقتناص اي من الاهداف القيادية لحزب الله، او في تدمير بنيته العسكرية التي يظهر جليا بانها لم تتاثر، ولا زالت تحافظ على قدراتها متماسكة ومنظمة ومفعَّلة، ولا ريب هنا باننا نتحدث عن فشل ذريع ومريعٍ ومُسِفٍّ لقدرة هذا السلاح الذي أعْمَلَ استخدام اسلحته ضد الاهداف المدنية ولا شيء غيرها. وبالتالي فان المزج العملي والفعلي بين القدرات العسكرية الاسرائيلية الهائلة وفشلها على صعيد تحقيق اهداف اسرائيلية ميدانية يؤدي الى الاعتقاد الجازم بقصور امني استخباري معمق، كان الى فترة قريبة في عداد الاساطير التي طالما اخافت جيوشا وحكومات، والذي ادى بها الى النأي بنفسها عن المنافسة العسكرية او الاستخبارية مع الدولة العبرية.
في المقابل فاننا نجد ان بعض المفاجآت التي قدمها حزب الله في هذه الحرب كان على شكل قدرات امنية سيطر فيها باحكام على الية عمله العسكري، اثمرت في حجم قدراته الهائلة من حيث السيطرة الكاملة على كل مجريات الامور العسكرية التي تقوم بها مجموعات حزب الله المقاتلة في كافة القطاعات، فالاسرائيليون الان يتحدثون عن انضباط امني كبير في صفوف الحزب ينعكس تلقائيا على مجريات المواجهة العسكرية، فهم وكما يقولون، بانهم يواجهون صعوبة كبيرة في رصد تشكيلات وعناصر حزب الله في اي من المواقع الميدانية التي يتكبد فيها الجيش الاسرائيلي خسائر فادحة صرح بها قادة الجيش الاسرائيلي في غير مرة، وقد يكون من المهم الاشارة الى العجز الاسرائيلي الكامل في مجال استقراء ومعرفة مكونات الترسانة العسكرية التي يمتلكها حزب الله، مما ادى الى ثقة اسرائيلية زائدة عن الحد المسموح به في المفاهيم الاستخبارية والامنية العسكرية التي عادة ما تأخذ بها الجيوش في حروبها ومعاركها الحاسمة وخصوصا الجيش الاسرائيلي الذي اعتدناه جيشا يعتمد في كافة معاركه ومواجهاته على المعلومة الامنية المركزة والدقيقة، وقد يكون ضرب البارجة الاسرائيلية قبالة سواحل بيروت في الايام الاولى لهذه الحرب من قبل حزب الله، من الامور التي تعزز هذه الوجهة، حيث ان المفاجأة الاسرائيلية ( كما هي مفاجأة الاخرين )، لم تتلخص فقط في قدرة حزب الله على تدمير ثاني اهم قطعة بحرية اسرائيلية، وانما تعاظم حجم المفاجأة والاثارة بالنظر الى نوع الصاروخ الذي تم استخدامه في هذه الضربة، ففي الوقت الذي اعلن الاسرائيليون فيه عن معرفتهم بنوع الصاروخ، الا انهم ابدوا استغرابا كبيرا للكيفية التي وصل فيها هذا الصاروخ الى لبنان، والى حزب الله بالذات، مما افقدهم حسن التقدير، هذا الموضوع بشكل خاص جعل من طاقم البارجة الاسرائيلية يتجاهلون تشغيل الاجهزة الرادارية الالكترونية المخصصة لرصد الصواريخ والطوربيدات المهاجمة(حسب الرواية الاسرائيلية)، ومن الممكن ان تكون الامور اكثر تعقيدا اذا ما ثبت فعليا عدم قدرة الاجهزة على متن البارجة في رصد حركة الصاروخ الذي دمرها على رغم فاعلية الاجهزة التي تحملها، حيث سيعد هذا اخفاقا امنيا استخباريا لا يقل اهمية عن اي اخفاق في اي جانب لوجستي اخر، يحسب ذلك على الفور تآكلا مباشرا للقدرات الاستخبارية الاسرائيلية والتي استقر في اذهان الاجهزة الامنية الدولية تميزها من حيث القدرة على بناء نماذج الحرب الاستباقية والضربات الوقائية التي اشتهرت بها الدولة العبرية من خلال ذراعها الامني الضارب ( الموساد ).
ان التوغل في الكثير من تفاصيل ومجريات المعركة الجارية في ارض المعركة بين اسرائيل وحزب الله تدل دلالة قاطعة على التراجع الاسرائيلي في المجال الامني والاستخباري العسكري، ولا ادل على ذلك من عدم اتخاذ الاسرائيليين للاحتياطات العسكرية اللازمة بالنسبة للهجوم البري الذي لا زال محدودا جدا في بعض المناطق من الجنوب اللبناني، فقد راينا كيف ان الاسرائيليين زجوا بطرازهم الجديد والمطور ( الاكثر تطورا في العالم حسب التوصيف الاسرائيلي )، من دبابات ميركافا اربعة دون معرفة مسبقة منهم بحجم القدرات التي يمتلكها حزب الله لمواجهة هذه الدبابة التي نجح مقاتلو حزب الله في تدمير عدد لا باس به منها، مما يثير اسئلة كبيرة عن الاستعداد الامني الاسرائيلي في معرفة نوعية المعدات والاليات التي قد يستخدمها مقاتلو الحزب ضد القوات البرية الاسرائيلية، على الاقل لحماية جنودهم في مواجهة النيران المعادية حسب الوصف العسكري الاسرائيلي.
يصبح من البديهي القول، ان كل اخفاق امني وعسكري اسرائيلي يعد نجاحا كبيرا ومؤكدا لحزب الله ومقاتليه ( الجناحين السياسي والعسكري )، وقد نستطيع قراءة ذلك عبر العديد من الامور البدهية التي تشير اليها التطورات الميدانية على ارض المعارك، ان كان لجهة قدرات الصمود والصلابة التي ابداها مقاتلي الحزب في كافة المواجهات مع الجيش الاسرائيلي الذي يتفوق عددا وعدة وهو مالم يكن واردا في الحسبان الاسرائيلي مطلقا على ما يبدو، مع ما يمكن ان يقال عن القدرة الممتازة في التمويه والاختفاء واستخدام عناصر المفاجأة بشكل عسكري مثير للاعجاب حتى لدى بعض الضباط الاسرائيليين، والذي يؤشر بدوره على الاعداد الامني الدقيق لتفاصيل اي معركة متوقعة، حتى وان كانت حربا مفتوحة كما يحدث الان. نبادر الى القول: بان الحرب الاسرائيلية على لبنان اثبتت سقوطا اسرائيليا مزدوجا في المجالين الامني والعسكري، وتفوقا لافتا لحزب الله في ذات المجالين، مما قد ينذر باضافة شروط جديدة الى اللعبة وما يلحق بها من تغير في التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، وخصوصا في ساحات الحروب. - مفتاح 4/8/2006 -