كثيرون هم من اللبنانيين والعرب الذين لهم مصلحة في أن يجادلوا "حزب الله" في نصره العسكري، الذي على وضوحه في أبصار وبصائر من يزن "النصر العربي على إسرائيل"بـ "ميزان النسبية"، لا يعدل في حجمه الهزيمة العربية في حزيران 1967؛ وربما نعزو وجاهة بعض من حجج المجادلين إلى هذا الفَرْق الكبير في الحجمين المطلقين: حجم انتصار "الحزب" وحجم هزيمة الدول والجيوش العربية، فهزيمتهم كانت أكبر وأعظم من أن يمحو عارها ونتائجها انتصاره على كِبًرِه وعظمته النسبيتين.

و"النصر"، في بعض من تعريفه الانهزامي الذي تناهى إلى أسماعنا بعد "التوقف التام للأعمال القتالية"، ليس بنصرٍ لسببين: حجم الدمار والموت اللذين نشرتهما في لبنان آلة الحرب الإسرائيلية كان أعظم من أن يحجبه "غربال" النصر الذي يقول به "حزب الله"؛ ثمَّ أنَّ الانتصار "الحقيقي" للبنان (فذاك الانتصار ليس بالحقيقي!) هو إعادة بناء ما دُمِّر حتى يصبح ممكنا وصف من ساهم في تمويل إعادة البناء بأنه "المنتصِر الحقيقي". وما دامت الغاية هي أن يبخسوا "حزب الله" نصره، الذي هو نصرنا، فلا بأس من القول البليغ "الانتصار على النفس هو دائما أشق وأصعب من الانتصار على العدو.. ولبنان يحتاج الآن، وأكثر من ذي قبل، إلى الانتصار على النفس"!

وتوقُّعهم هو أن يُصدِّق "حزب الله" قولهم وحججهم، فيقف، سياسيا، من نصره العسكري، الذي لا ريب فيه، الموقف الذي يسمح لهم بتحويله إلى هزيمة سياسية، فالمهزوم سياسيا قد يكون منتصرا عسكريا؛ ولكن نفثوا في روعه أنَّ انتصاره العسكري كان وهماً، أو كذبة كذبها فصدَّقها.

وفي الجدال ذاته، لا بد لنا من أن نُدرِج تأكيد "حزب الله"، والذي لا مبرِّر موضوعيا له، أنَّ إسرائيل لن تعيد الكَرَّة، أي لن تستأنف الحرب. هذا التأكيد قد ينفع عاجلا؛ ولكنه قد يضر آجلا، فالحزب يريد أولا، في تأكيده، أن يقول إنَّ النصر الذي أحرزه على إسرائيل سيردعها عن استئناف الحرب، وإنَّ اللبنانيين، الذين عانوا ويلات الحرب، سينعمون من الآن وصاعدا بما يشبه السلام المُكْرَه عليه الإسرائيليون. وأحسب أن الهزيمة التي مُنيت بها إسرائيل (ومعها الولايات المتحدة) لن تردعها عن استئناف الحرب، وإنَّما ستضطرها إلى استئنافها، فدولة الجيش الذي لا يُقْهَر فقدت في حربها على "حزب الله" ما يجعلها ترى في استعادته شرط بقاء.

هذا في "النصر" الذي فيه يجادلون؛ ولكن هل ظل "الردع"، مفهوما وواقعا، بمنأى عن التغيير؟ كلا، لم يظل، فالتغيير فيه، والذي لم نرَ منه حتى الآن إلا نزرا، هو النتيجة الأهم التي تمخَّضت عنها الحرب، فما معنى أن يقول الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصر الله إنَّه ما كان ليأمر بالقيام بذاك العمل العسكري الذي أفضى إلى أسر جنديين إسرائيليين لو كان يعلم أنَّ الرد العسكري الإسرائيلي (العقابي أو الانتقامي أو الردعي) سيُلْحِق بلبنان دمارا بهذا الحجم الهائل؟ ما معنى أن يقول إنَّ تاريخ الحروب لم يعرف مثل هذا الـ "لا تكافؤ" بين الفعل ورد الفعل؟ قد أفهم قوله على أنه من قبيل "التعليل" و"الاعتذار"، وكأنه أراد أن يقول للبنانيين: توقَّعْتُ ردا عسكريا إسرائيليا؛ ولكن ليس في هذا الحجم؛ ولو كنتُ أعلم حجم الرد العسكري الإسرائيلي لما أمرتُ بالقيام بذاك العمل العسكري.

من ذلك، يمكن ويجب أن نستنتج أن "حزب الله" الذي يعلم من الآن وصاعدا حجم الرد العسكري الإسرائيلي سيرتدع أكثر عن القيام بأي عمل عسكري يشبه ذاك لجهة تأثيره في إسرائيل.

هذا إنما أحد وجهي المسألة؛ ووجها الآخر لا يقل أهمية إنْ لم يَزِد، فإسرائيل لا يردعها رادع عن جعل "الدمار الهيروشيمي" جوهر مفهوم "الردع العسكري ـ الاستراتيجي" الذي شرعت تأخذ به. إنَّها لم تستخدم بعد السلاح النووي الذي تملك منه كثيرا؛ ولكنها استخدمت، ومصمِّمة على استخدام، ما يعدله دمارا وموتا، وكأنَّ "الدمار الهيروشيمي" هو الرد الوحيد الذي تملك على عجزها عن الانتصار العسكري (البري) على "حزب الله"، أو على أي عدو عربي يمكن أن يقاتلها مستقبلا كما قاتلها "حزب الله" وفي طريقته.

و"الدمار الهيروشيمي"، ردا أو عقابا أو انتقاما أو ردعا، هو في حد ذاته خير دليل على أن العقيدة العسكرية ـ الاستراتيجية الإسرائيلية قد تغيَّرت في العمق والجوهر؛ ولا شك في أن تحوُّل الولايات المتحدة إلى "القوة الإمبريالية العظمى في العالم" قد هيَّأ لهذا التغيير مزيدا من الأسباب والدوافع. ولا شك، أيضا، في أن اتِّخاذ إسرائيل لـ "الدمار الهيروشيمي" عقيدة استراتيجية جديدة لها هو خير دليل أيضا على الإخفاق الكبير الذي منيت به آلة الحرب الجوية الإسرائيلية، ثمَّ آلة الحرب البرية الإسرائيلية، فـ "حزب الله"، من الوجهة العسكرية، قاتل في طريقة أعجزت سلاح الجو الإسرائيلي عن إحراز انتصار عسكري عليه، يكفي الجيش الإسرائيلي شر الحرب البرية، التي ما أن اضْطُّر إلى خوضها حتى أدرك أنها ما عادت تمنحه القدرة على تذليل العقبات من طريق إحرازه النصر العسكري على "حزب الله".

"الرد (أو الردع) الهيروشيمي"، والذي يمكننا وينبغي لنا فهمه على أنه الامتداد الحتمي للعجز الإسرائيلي عن الحسم العسكري عبر "الحرب النظيفة"، جوا وبرا، إنَّما يشدِّد الحاجة إلى إضعافه وتقويضه عبر التحصين العسكري لمنشآت البنية التحتية المدنية، لبنانيا وعربيا، وعبر التزوُّد، لبنانيا وعربيا، بما يكفي من الأسلحة الكيمائية والبيولوجية مع ما تحتاج إليه من ترسانة صاروخية أكثر تطورا.

وأحسب أن إيران، في تحديها النووي للولايات المتحدة وإسرائيل، تحتاج الآن، وأكثر من غيرها، إلى أن تعرف كيف ترد على "الرد الهيروشيمي" على تحديها النووي، فإذا هي، في جزء من ردها، وجَّهت ضربة صاروخية لإسرائيل فإنَّ عليها أن تعرف كيف ترد على الرد الإسرائيلي، الذي قد يشتمل على ضربة نووية محدودة، يصبح ممكنا بعدها، وبفضلها، جعل الشرق الأوسط خاليا من أسلحة الدمار الشامل.

وفي سياق هذا التغيير في "الردع"، مفهوما وواقعا، والذي جاءت به الحرب الإسرائيلية على "حزب الله"، يمكننا، أيضا، أن نُدْرِج عزم الولايات المتحدة على إحلال رؤوس تقليدية محل الرؤوس النووية في بعضٍ من صواريخها الباليستية. - مفتاح 29/8/2006 -