بالنظر إلى حركة حماس وتفاعل الأحداث معها ومن حولها، يبدو نجاحها الكاسح في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان) وكأنها قد دبرته بإحكام لتفاجئ به الآخرين في لحظة الحقيقة، أما رد فعل الآخرين فكان يتباين بين الدهشة الممزوجة بالإعجاب من قبل الأصدقاء، والمفاجأة المشوبة بالمرارة من قبل الأعداء. ولكل من الصداقة والعداوة مراتبها في درجة الشدة. ولكن ارتباك النصر الذي بدا على حماس بعد الإعلان عن هذا الانتصار، يؤكد أنها كانت أول من فوجئ بهذا النصر، وظهر هذا من تركيزها الكثيف في جولاتها الكلامية (الإعلامية) على ثقة الناخبين بها من دون أن تشير من قريب أو بعيد لما تخبئه في جعبتها السياسية لهؤلاء الناخبين على الصعيد السياسي.

ينبئ موقف حماس هذا عن إحدى دلالتين أو عنهما معاً. والدلالة الأولى تشير إلى أن حماس لاتزال مسكونة بالتكتم والسرية التي طبعت أسلوبها في العمل الفدائي والاتصالات الخفية مع مؤيديها من الفلسطينيين ومن قد تعتبرهم كذلك من غير الفلسطينيين. ونشير هنا إلى أن هذا الأسلوب المعهود في العمل العسكري السري لدى حماس أو غيرها، يختلف عن أسلوب العمل السياسي الذي يحتاج إلى الاقناع والتوافق والقبول من خلال التعبئة العلنية. أما الدلالة الثانية فتشير إلى أن حماس ربما لم تتم بلورة برنامجها السياسي المرحلي، هذه البلورة التي تمثل عملية بالغة الدقة والصعوبة تتداخل فيها كل المؤثرات الداخلية والخارجية، وسنكتفي هنا بالإشارة إلى نماذج من هذه المؤثرات للقياس عليها. فهناك التفاوت في الرؤى بين أعضاء قيادة حماس نفسها، وبين القيادة السياسية والقيادة العسكرية للحركة. وعلى الصعيد الإقليمي هناك التفاوت في المواقف بين كل من تركيا وإيران، وعلى الصعيد العربي هناك التفاوت بين موقف مصر وموقف سوريا، وعلى الصعيد الدولي هناك التفاوت بين موسكو وواشنطن، هذا بالإضافة إلى هامش للمتغيرات التي قد تطرأ على هذه المواقف بين عشية وضحاها، وكما سبق وأشرنا فإن هذه عينة من المؤثرات الداخلية والخارجية للقياس عليها.

عند قراءة تجارب الحركة الوطنية الفلسطينية نجدها سلسلة من الانتفاضات الشعبية التي بدأت في عشرينات القرن العشرين. وفي كل انتفاضة قدم الشعب الفلسطيني أقصى ما يستطيع تقديمه من تضحيات حتى تخور قواه على مرأى ومسمع من محيطه العربي والإسلامي. وفي كل مرة انتفض فيها الشعب الفلسطيني تصور أن انتفاضته ستكون الشرارة التي ستشعل المحيط العربي والإسلامي من حول فلسطين، وأنها ستشكل الضربة القاضية للمشروع الصهيوني فيها، ولكن الذي كان يحدث هو أن خراطيم المياه العربية تنهال على الحريق الفلسطيني قبل أن يتطاير شرره فيشعل الجماهير العربية.

لا نريد لأي طرف فلسطيني أن يبني مواقفه على الأوهام، بل الكف عن تضليل الشعب الفلسطيني بتسويق هذه الأوهام عليه. ففي مطلع العام الحالي قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بجولة على بعض دول الخليج العربية لتأمين استمرار الدعم المالي للسلطة الوطنية الفلسطينية، ومن الواضح أن الرئيس الفلسطيني قد حصل على وعود خليجية باستمرار الدعم. وفي تصريح نشر أخيراً قال موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحركة حماس: “إن الحركة (حماس) تمتلك بدائل مالية حقيقية لدعم صمود السلطة الفلسطينية”، وأشار أبومرزوق إلى أن “البعثات الدبلوماسية الخليجية في قطاع غزة اتصلت بحماس، وأكدت لها استمرار دعمها للسلطة ومشاريعها، وتعهدت بزيادة هذا الدعم من أجل الوفاء بحاجات الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة”. وبوصفه رأس السلطة التنفيذية، فقد تابع الرئيس عباس جهوده لتأمين الدعم المالي للفلسطينيين. وهذا هو مستوى السقف الذي تلاقت تحته السلطة الوطنية وحركة حماس، لأن السلطة تريد استمرار دوران عجلة جهازها الإداري، ومن جهة أخرى تريد حماس أن تطمئن الناس، وخاصة الموظفين الحكوميين على الوفاء بحاجات الشعب الفلسطيني في “المرحلة المقبلة”، المنتظر فيها أن تتولى شؤون الحكم.

وبعيداً عن الشأن المالي قال أبومرزوق: “هناك حاجة تتجاوز الإطار المالي الأوروبي لإطار أوسع يتعلق بشرح أبعاد القضية الفلسطينية الإنسانية للأوروبيين، وانتقد الموقف الأوروبي اللاهث خلف السياسة الأمريكية”، واعتبر أن استمرارهم بهذه المواقف سيتسبب بعزلتهم. وشدد أبومرزوق على أن: “حماس ستحافظ على برنامج المقاومة، وأنها لن تخضع للابتزاز مهما كانت الظروف”. وكان قد صدر بيان للجنة الرباعية (30/1/2006) في لندن تلاه كوفي أنان أمين عام الأمم المتحدة. وقد جاء في البيان: “إن جميع أعضاء الحكومة الفلسطينية المستقبلية يجب أن يلتزموا بنبذ العنف والاعتراف ب”إسرائيل” وقبول الاتفاقات والتعهدات السابقة بما في ذلك خريطة الطريق”. ولكن حركة حماس رفضت قرار اللجنة الرباعية، وقال مشير المصري المتحدث باسم الحركة إن حركة حماس “استمدت شرعيتها من الشعب الفلسطيني”، وقال المصري إن حركته “ستتعامل مع الواقع الجديد على القاعدة التي اختارهم عليها الشعب الفلسطيني”. وفي تفسير المشاركة الوطنية قال موسى أبومرزوق: “إننا نطالب بمشاركة الآخرين انطلاقاً من برنامجنا الانتخابي”. أما حسين الشيخ مسؤول مرجعية فتح في الضفة الغربية فيقول: “الشراكة السياسية لا يمكن أن تختزل بالمشاركة في الحكومة” ويتابع الشيخ قائلاً: “حتى هذه اللحظة نحن لا نرى أن هناك إجابات (من حماس)، وعلامات استفهام كبيرة نطرحها ويطرحها العالم.. المطلوب أولاً أن يتم استيضاح هذا البرنامج”. وقال صائب عريقات: “على أي حكومة قادمة احترام والتزام بحقوق وواجبات السلطة الفلسطينية في كافة المجالات، فالسياسة والحكم والعلاقات الدولية شيء وشعارات الأحزاب المعلنة شيء آخر”.

المخيف أنه في غياب خريطة للطريق بين فتح وحماس لن تبقى إلا الطريق إلى الفوضى. - الخليج الاماراتية 10/2/2006 -