ثمة معطيات تتأسس، يوماً بعد يوم، جديرة بأن تلفت انتباهنا وأن تنتشلنا من متاهة التشكيل الحكومي و" طوشة" مكاتب المجلس التشريعي لتقودنا إلى تخوم رؤية واضحة لحجم ما تفصح عنه من نذر خطر داهم يتهدد مشروعنا الوطني، أو بعبارة كلاسيكية : القضية الفلسطينية.

هذه المعطيات تشكل تفاصيل مشهد يتكون يوماً بعد يوم، وفي بؤرته يتجسد الخطر : خطوات أحادية اسرائيلية تقود لصنع أمر واقع على الأرض لن تتورع اسرائيل عن وصفه بـ "دولة فلسطينية" قوامها الأساسي قطاع غزة مع كانتونات معزولة في أقل من نصف أراضي الضفة الغربية. بعد أن تقضم منها القدس والأغوار والمساحات الواسعة التي تحتلها الكتل الاستيطانية الكبرى. المعطى الأول يتمثل في ما يمكن ملاحظته من تبلور ما يشبه الاجماع الوطني الاسرائيلي على المضي في تنفيذ متطلبات الحل احادي الجانب في الضفة الغربية لرسم الحدود النهائية لاسرائيل. وفي قلب هذا الاجماع يقف حزب "كاديما" الذاهب، كما يبدو حتى اللحظة، نحو فوز انتخابي كبير في آواخر الشهر القادم بقيادة اولمرت، الذي لعب خلال السنوات الماضية دور وحدة الاستطلاع النظرية والسياسية لبرامج ارئيل شارون، "إجماع" يستند لتأييد شعبي واسع يضع حزب العمل، الباحث عن عودة قوية بوجوه جديدة للمسرح السياسي، أمام خيارات محدودة تدفعه جميعها نحو التساوق مع طرح "كاديما"، و"إجماع" يلهث، على جميع الاحوال، للحاق بما يتكرس على الارض من وقائع عبر النشاط الاستيطاني ومصادرة الاراضي ومواصلة بناء جدار الفصل. أما المعطى الثاني فنجده في طريقة استغلال اسرائيل لنتائج فوز "حماس" على المستويين السياسي والدبلوماسي الدوليين. لقد صاغت المؤسسة الاسرائيلية، وفور إعلان نتائج الانتخابات الفلسطينية، الشروط الثلاثة المعروفة للتعامل مع الحكومة الحمساوية، ثم اكتفت، على نحو ما، بأن تترك لواشنطن و"الرباعية" والدول الاوروبية مهمة تبني هذه الشروط وترديدها كل يوم وبايقاع ممل، كما يفعل التلاميذ في درس لـ " المحفوظات"، مع ربطها بعقوبات اقتصادية ومالية وسياسية تبدو كمحاولة لمعاقبة الشعب الفلسطيني على ايمانه بالديمقراطية وإدارته، وفي ظروف شبه مستحيلة، لانتخابات أصابت المراقبين الدوليين لها بالملل لفرط سلاستها وهدوئها 00 ونجاحها. لقد قفزت اسرائيل لاقتناص ما رأته فرصة ذهبية وفرها الانقلاب السياسي الفلسطيني الكبير عبر صناديق الاقتراع. فهي الآن تثق بأنها تملك مسوغات قوية تبرر وتدعم زعمها وتباكيها المتواصل في السنوات الاخيرة لياسر عرفات، وفي عهد محمود عباس: لا يوجد شريك فلسطيني. ومن المؤكد ان ما يبدو كتساوق دولي شبه كامل مع الشروط الاسرائيلية يوفر ظروفاً أكثر مواتاة، لا ندعي أنها كانت غائبة كلياً في الماضي، لتنفيذ ما يعتبره رئيس الوزراء الاسرائيلي القادم المهمة الاساسية للكنيست القادم : رسم حدود اسرائيل النهائية.

أما المعطى الثالث فناتج عن حقائق داخلية فلسطينية من جانب وقيود اسرائيلية تتشدد يوماً بعد يوم. فهناك واقع يتمثل في أن الثقل الاساسي لـ "حماس"، قيادة وهيئات وكادراً وجناحاً عسكرياً، موجود في قطاع غزة الذي انسحبت اسرائيل رسمياً منه. وفي ظل القيود الاسرائيلية المفروضة منذ خمس سنوات والمرشحة لمزيد من التشديد يمكننا تخيل وضع لا يتمكن فيه رئيس الوزراء ونسبة كبيرة من الوزراء وكبار المسؤولين من التحرك من غزة "المحررة" إلى الضفة "التي تعيش في ظل صيغة ملتبسة بين السلطة والاحتلال"، ولا يتمكن فيه مجلس الوزراء، ناهيك عن المجلس التشريعي، من الانعقاد بكامل الاعضاء في مكان واحد. قد لا تلجأ إسرائيل لاعلانات صارخة عن نواياها، فلن تسعى، على الأرجح، إلى انهيار كامل للسلطة تبدو فاتورة تكلفته السياسية والقانونية والاقتصادية باهظة، أو لإعلان ضم مناطق من الضفة اليها يستدرج ردود فعل دولية رافضة، ولن تلجأ لإعلان "فصل قانوني" كامل بين الضفة والقطاع، ولكنها، وعلى الأغلب، ستلجأ إلى الخطوات "الصامتة": مزيد من الاستيطان، استكمال الجدار، إغلاق الأغوار، فصل عملي متزايد بين الضفة والقطاع. ومراهنة على موقف دولي متجاوب مع شروطها، ومراهنة على وقت تشعر أنه تفاعلٌ مع ما تنجزه على الارض، يعمل لصالحها، ومراهنة على قراءة خاصة، نعتقد أنها خاطئة تماماً، لمواقف "حماس" خلاصتها أن "حماس" الحريصة على تقلد السلطة لن تسعى للمواجهة. وأن طرحها، الذي سحبه قادتها من التداول مؤخراً، والخاص بالهدنة طويلة الأمد قابلٌ للاستغلال. وهكذا تعتقد اسرائيل، وهي لا تحسن عادة استشعار وتوقع رد الفعل الجمعي للشعب الفلسطيني، أن بإمكانها، وعلى نار سياسية و"أمنية" هادئة، أن تنضج خيار الدولة المؤقتة الوارد في خطة "خارطة الطريق" وبأن تحيل الى نفسها "عطاء" رسم الحدود النهائية وفق المواصفات الاسرائيلية. لا نزعم أن ما نراه الآن خطرٌ داهمٌ لم يكن موجوداً، أو مرئياً، قبل 62 كانون الثاني 6002. ولا ندعي أن ما كانت تقوم به السلطة كان كافياً لمواجهته. لكننا نقول إن الفارق يكمن في القدرة على أن نرى، أو أن نرفض رؤية، ما قد لا نحب رؤيته، وأن ندرك حقائق قد لا نشعر بالسرور في الإقرار بها. الفارق يكمن في أن نعرف مكامن وحدود قوتنا، ونحن وبالتأكيد لسنا مسلوبي الإرادة ولسنا بعاجزين عن الفعل المؤثر، وأن نحسن قراءة واقعنا المحلي والخارطتين الاقليمية والدولية. فليس من مصلحتنا، وليس بمقدورنا أيضاً، أن نكون في صدام مع حقائق العصر وشرعيته، وأيضاً فنحن، بعكس السيد أحمدي نجاد، مع الاحترام الواجب، لا نمتلك قوة عسكرية مؤثرة، ولسنا أعضاء في "اوبك" لنتحمل تكلفة ممارسة ترف التحدي الصارخ وهواية الوصول إلى "حافة الهاوية". لقد كان النجاح السياسي الفلسطيني خلال العقود الماضية يقوم على معادلة بسيطة في صياغتها ومتطلبة للإبداع الخلاق في تجسيدها : تحقيق التزاوج الضروري والممكن بين الموقف الوطني المستند لفعل متعدد الأشكال على الأرض وبين حقائق العصر وشرعياته المعتمدة، والحرص، خاصة في عصر ما بعد انهيار الامبراطورية السوفياتية وما بعد غزوة اسامة بن لادن في مانهاتن، على ألا يزج بمشروعنا الوطني في سياق يعزلنا ويلحق الضرر بمصالحنا الوطنية، أو أن يصنف في خانة تتناقض معها، وعلى أن نحتفظ بالتفوق الأخلاقي الذي توفره لنا مشروعية وعدالة لقضيتنا تحظيان بتغطية من مرجعيات الشرعية الدولية.

سنسمح لانفسنا، مرة أخرى، بأن نفعل ما يفعله التلاميذ وهم يؤدون "المحفوظات" بإيقاع رتيب وممل، فنردد : ان "حماس" المزهوة، وعن جدارة، بتفويض شعبي واضح نالته عبر صناديق الاقتراع مدعوة وهي تتقدم لتقلد قيادة الحكومة إلى بناء موقف سياسي يستند إلى شرعيات ثلاث: الوطنية كما يعبر عنها البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، والقومية كما جسدتها مبادرة السلام العربية، والدولية متمثلة في القرارات والاتفاقات المعتمدة، بل بإمكانها التسلح بشرعية رابعة هي الشرعية الاسلامية المتجسدة في قرارات قمة منظمة المؤتمر الاسلامي.

هل سيتكفل اتخاذ هذا الموقف المطلوب بإفشال الخطة الاسرائيلية التي تتهدد مشروعنا الوطني ؟ ليس بالضرورة. هل سيسهم اتخاذ هذا الموقف في تحسين نوعي للقدرة الفلسطينية على مقاومة وإفشال الخطة الاسرائيلية؟ نعم، وبالتأكيد. - الأيام 23-2-2006 -