لحركة فتح، منظمة التحرير، والسلطة الوطنية، تجربة حية مع موضوع الاعتراف باسرائيل ومكانة هذا الاعتراف، في معادلة التعامل طويل الأمد.
وهذه التجربة يمكن اختزالها بما يلي:
ـ تم الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير واسرائيل ونشأت علاقات تفاوضية وسياسية بين الجانبين أثمرت ولادة السلطة الوطنية بكافة مؤسساتها، مع اعتراف اسرائيلي بالسلطة وتعامل يومي معها. وبعد سنوات، وضع الاعتراف على الرف، او انه اودع في خزانة مخصصة للاشياء النادرة والثمينة وبدأ التعامل مع السلطة والمنظمة، ليس على اساس اعترافها باسرائيل، وانما على اساس سلوكها اليومي.. تجاه اسرائيل.
ووفق هذه القاعدة الجديدة في التعامل، تعثرت الأمور على الصعيد السياسي اولا، حيث لم تتقدم عملية السلام بين الطرفين خطوة واحدة الى الأمام وتراجعت التسهيلات الى حدها الادنى بل دونه بكثير وتلبد افق العلاقات بين الجانبين بضباب كثيف، بعد ان سال الدم انهارا على ارض الاعتراف المتبادل، ومن جسد الطرفين صاحبي مشروع المصالحة التاريخية والتعايش المنشود.
وبعد قراءة هذا السيناريو، بتفاصيله التي حدثت خلال سنوات طويلة، مكتظة بالأحداث والدماء والمحاولات السياسية الفاشلة، نعود من جديد الى نفس الحكاية.. ولكن هذه المرة مع حماس التي ظهرت على الشاشة، كقائد جديد لسلطة قامت ومن المنظور الاسرائيلي والاميركي على اساس الاعتراف المتبادل، واتفاقات اوسلو، وبالتالي يتعين عليها ان تؤدي ذات الاستحقاقات التي ادتها فتح، وكلمة السر التي تفتح اول باب وليس كل الابواب هي الاعتراف المباشر بحق اسرائيل في الوجود.
ولو سلمنا جدلا بأن حماس قبلت بمبدأ الاعتراف وبذات الصيغة التي قبلت بها منظمة التحرير، فان المطلب الثاني سيكون واضحا باتجاه الاعلان الصريح عن نبذ العنف، وهذا ما فعله ياسر عرفات في خطاب امام الأمم المتحدة في جنيف، ونبذ العنف ليس مجرد اعلان.. وانما سلوك، ولو ظهر ان ما بعد الاعتراف ونبذ العنف. هنالك بعض الممارسات التي تشي بعكس ذلك، فساعتئذ يكون الاعلان عديم الجدوى.. ويودع كالاعتراف المتبادل في الارشيف. ان ما تطلبه اسرائيل واميركا من حماس، الآن - يجب ان يفهم جيدا، وان تعرف تفاصيله والتزاماته اللاحقة، فما حدث مع ياسر عرفات وخليفته محمود عباس، ليس مجرد مؤامرة ساذجة ادارتها اياد خفية، بل هو محاكمة لسلوك أراده الاسرائيليون على طريقتهم، بينما اجتهد عرفات وابو مازن بالسلوك على الطريقة الفلسطينية.
وهنا اود الاشارة الى أمر آخر، قد يبدو ذا صلة بعيدة بمسألة الاعتراف وما بعدها وهو المشاركة في الحكومة، التي ستشكلها حركة حماس ـ والمعني هنا بالمقام الاول ـ مشاركة فتح ـ انني لا انصح بالمشاركة.. على اساس البرنامج الذي اعلنه ابو مازن في المجلس التشريعي، ولا اوافق على فكرة وضع حماس في زاوية اما الموافقة على برنامج ابو مازن والا فلا مشاركة. ان هذا الطرح، والذي سمعته من كثيرين من اعضاء فتح، يعني التطوع نيابة عن الآخرين بالحصول على تنازلات من حماس، وهذا أمر لن يوافق عليه حتى من قبل اميركا واسرائيل فليس المطلوب دوليا من حماس ان تعترف ببرنامج ابو مازن الذي بدوره معترفٍ باسرائيل وانما ان تذهب مباشرة الى الموضوع وعلى نحو حمساوي صرف. ان حماس كما يقال.. حركة براغماتية، ومع انني لا اراها كذلك، بل اراها حركة سياسية ذات أفق وجذور عقائدية، الا انها حركة حريصة كل الحرص على الا يبدو وصولها للسلطة ثمنا لتنازلات جوهرية، كان يمكن للتنازلات ان تبتلع لو كان ثمنها دولة او اراض او حقوق تلبى على صعيد القضية الوطنية، اما ان تكون لقاء تواجد في سلطة ضعيفة محاصرة مفلسة.. فلا اعتقد ان الأمر موضوعي في هذه الحالة.
فلو ادت حماس.. الاستحقاقات المطلوبة منها حتى من قبل اصدقائها الجدد، واعني بهم الروس، فساعتئذ تكف عن ان تكون حماس، التي شقت طريق الكفاح بالتشدد، ولن يكون مقبولا منها ان تشق طريق الحفاظ على السلطة بالمرونة والتنازل.
لقد فازت حماس، وفق برنامج سياسي واصلاحي واضح، وحين يفرَّغ هذا البرنامج من محتواه.. عبر الاعتراف المباشر او غير المباشر، وعبر تلبية الاشتراطات الاسرائيلية والاميركية فساعتئذ يثور التساءل:
لماذا اذن كانت الاتهامات لمن سبقكم ما دمتم انتهيتم من حيث بدأوا. - الشرق الأوسط 27/2/2006 -