آخر استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني للإحصاء (قبل أسبوعين من موعد الانتخابات الفلسطينية)، أظهرت أن المسافة بين حركتي (فتح) و(حماس) تضيق أكثر وأكثر، وأن الفارق بينهما أصبح الآن لا يتجاوز ما نسبته 4%، إذ حصلت الأولى على 35% من الأصوات وحصلت الثانية على 31%، فيما وصلت نسبة الأصوات المترددة أو غير المحسومة إلى 22% من مجموع الأصوات، وهذه ستقرر النتيجة في نهاية السباق.
لقد جعلت الإدارة الأمريكية من الانتخابات السبيل الوحيد إلى الديمقراطية، لكنها تجاهلت دائماً العلاقة الحقيقية بين الحرية والديمقراطية فتجاهلت هذه العلاقة في انتخابات أفغانستان، وفي انتخابات العراق، وتتجاهلها اليوم في الانتخابات الفلسطينية.
وبالنسبة للانتخابات الفلسطينية، لا بد من التذكير بداية أن لا ديمقراطية دون حرية، ولا حرية في ظل الاحتلال، أي لا ديمقراطية حقيقية تحت الاحتلال، وتكفي الإشارة لما تمارسه قوات الاحتلال على الأرض إزاء المرشحين وحملاتهم الانتخابية. وانتخابات (المجلس التشريعي الفلسطيني) هذه تتم لاختيار مجلس أخذ تصريحا بقيامه من اتفاقية وضعتها سلطة الاحتلال (أوسلو)، أي أنه منذ البدء لا استقلالية ولا سيادة لهذا المجلس، وتشريعاته لا تسري إلا بعد موافقة سلطة الاحتلال عليها. فماذا يستطيع هذا المجلس وأي دور سياسي أو اقتصادي حيوي يمكن أن يكون له، وأية مصالح للناس سيخدم إلا إذا كانت مصالح الاحتلال ومصالح الشعب الواقع تحت الاحتلال واحدة. فهل هذه المصالح واحدة؟ ولنلاحظ أننا نتحدث عن مجلس تشريعي وليس عن لجنة لإدارة وتنظيم حياة الناس اليومية، فهذه ليست بحاجة لمجلس تشريعي بل لمجالس بلدية. بذلك يكون الشعار الصحيح الذي كان يجب أن يزين الحملات الانتخابية هو مطلب الولايات المتحدة القديم: (تحسين ظروف حياة الفلسطينيين)، وإذا تجاهلنا البدهيات السابقة، يفرض سؤال نفسه: ما الآفاق المفتوحة أمام المجلس الجديد لخدمة الأهداف الوطنية التي ترفعها الأطراف المتنافسة، وخصوصا أمام أطراف (المعارضة)؟
وطالما أن العملية كلها تتم تحت سقف (اتفاقية أوسلو)، كما حرص أن يؤكد الرئيس محمود عباس، وطالما أن سقفها مرهون بالمفاوضات، وبالتالي مرهون بما تراه الولايات المتحدة وما توافق عليه الحكومة “الإسرائيلية”، فإن هذا يعنى أمرين بدهيين أيضاً: الأول، أن ليس في الأمر مشكلة لمن اعترف ويعترف ويتمسك باتفاقية أوسلو، وبالمفاوضات على أساسها أو بالمطلق. والثاني أن عدم اعتراف (المعارضة) باتفاقية أوسلو يظل مجرد كلام من الناحية الفعلية والعملية الواقعية. وهذا يفرض علينا أن نلقي نظرة على ما ينتظر المجلس التشريعي الجديد والحكومة الجديدة بعد الانتخابات.
وبالرغم من التصريحات المتناقضة التي تصدر عن حركة حماس، إلا أن أي مراقب لا يستطيع أن يتعامى عما يظهر من استعداد الحركة للدخول في اللعبة السياسية ودهاليزها وما يقتضيه ذلك من (مرونة) قادت حركة (فتح) إلى ما وقعت فيه من مطبات ومزالق. ولن يضمن عدم وقوع (حماس) في مثل تلك المطبات والمزالق ما أكده الشيخ محمد أبو طير في مقابلة مع (هآرتس) من أنهم سيكونون (مفاوضين أفضل من الآخرين)، وأنهم (سيثبتون أنهم يفهمون في السياسة أفضل من غيرهم)!
والخلاصة، إنه مهما وكيفما جاءت نتائج الانتخابات الفلسطينية المقررة، فمن المشكوك فيه أن يحقق الشعب الفلسطيني من خلالها فائدة أو مكسبا حقيقيا. وبالنسبة للحركتين الرئيستين المتنافستين، فإن الغلبة ستكون لحركة (فتح) وستكون هي الرابحة ولو فازت حركة (حماس) بعدد أكبر من المقاعد في المجلس التشريعي الجديد. ذلك لأن الفوز الحقيقي لأي حزب أو تنظيم سياسي أو حركة سياسية، يعني نجاح رؤيتها السياسية وتقدم برنامجها السياسي، وليس فقط نجاح مرشحيها في الانتخابات. ولأن حماس في ضوء (التحولات) الأخيرة يمكن أن تتحول إلى (فتح) أخرى على نحو أو آخر، فإن برنامج (فتح) هو الذي ستكون له الغلبة على الأرجح.
دار الخليج (18/01/2006).