وليد جنبلاط وعلى الطريقة العربية المقدسة كتقديس الوثنية للوثن في توريث السلطة ، خلف والده في رئاسة الحزب ، والمرحوم كمال جنبلاط كان يملؤُ كرسيَّ الرئاسة للحزب باقتدار ، وذلك لرصيده الوطني ومواقفه الثابتة والشجاعة ، وقوميته الأصيلة ، وبراعته وحنكته، السياسية ، وشخصيته الكاريزمية والتي يفتقدها وريثه السيد وليد جنبلاك شكلاً ومضموناً.
ولقد شكل هذا الميراث عبئا ثقيلاً على الوارث الغض ، الذي استلم التركة في وقت مفاجئ وغير محسوب . وحاول وليد جنبلاط أن يسد الفراغ الكبير الذي خلفه القائد المناسب في المكان المناسب، وأثبت رغم خبرته الطويلة فشلاً ذريعاً في الحفاظ على تاريخٍ حافل بالنضال والفكر، فأخذ يتخبط في تصريحاته ، ويتبدل في مواقفه ، ويغير تحالفاته على أساس من الفوضى وقصور في التفكير، وقصر نظر في الأفاق السياسية ، فبدى متناقضاً ، ومتخبطاً ومتردداً وفقد الاستقرار الفكري والسياسي وأضحى كريشة خفيفه في مهب الريح العاتية التي تعصف بلبنان . يتبنى مواقف الغير ، وتدفع به أيدٍ خفيه إلى أتون الصراع ، فأصبح العوبةً في خضم التناقضات السياسية والطائفية ، ويقف على أرضية هيلامية ، وغاصت قدماه في وحل السياسة، والتحالفات المشبوهة ، ففقد وإلى الأبد حكمة الزعيم المتجذِّر في الفكر وكأنه نباتٌ سطحي تخلعه رياح التناقضات وتطير به إلى أماكن مجهوله ، أو كورقة خريف سقطت من شجرة الوطن وتلاعبت بها رياح الخريف ترتفع وتنخفض فوق الأرض بدون وزن أو ثقل ، ففقد الحلفاء ، وفقد صدق التعبير والأهم من هذا كله فقد صدق الانتماء إلى الوطن ، فظهر وكأنه عدوٌّ للوطن تحت شعارات وطنية بعيدة كل البعد عن مصلحة هذا الوطن.
وبالنظر إلى خفة وزنه الشعبي ، وضآلة اتباعه ، وضحالة فكره وانسياقه خلف المؤامرات من أجل ترسيخ زعامة حزبية ممزوجة بالقبلية ومتعصبة للزعامة وليس للوطن، لذلك سوف يضيع في الصراع بين الكبار في صفقات يكون هو من إحدى ضحاياها ، ويدق آخر مسمار في نعش هذا الميراث . فإذا دخل الصغار في لعبة مع الكبار ستكون النتيجة الحتمية سحق هؤلاء الصغار ، قاصري التفكير ، وضيقي الأفق وسوف يندم كثيراً حين لا ينفع الندم وينهي سيرته الذاتية بسقوط مروّع إنه يبحث لنفسه عن مكانةٍ في الخارطة السياسية للبنان تفوق حجمة ووزنه. فأصبح كالباحث عن الأبرةِ في كومة من القش .
وليد جنبلاط يشبه تماماً مالك الحزين في قصه الحمامة والثعلب ومالك الحزين بالفصل الأخير من كتاب كليلة ودمنه للفيلسوف الهندي بيدبا وترجمة عبدالله بن المقفع. فمالك الحزين راح يبحث عن دور (دون أن يطلب منه) في صراع بين الثعلب الماكر، والحمامة الغبية التي لم تدرك بعقلها أن الثعلب لا يستطيع الوصول إلى فراخها في عشها فوق أغصان الشجر ، وتدخل مالك الحزين بفضوليته ونصح الحمامة بأن لا تصدق الثعلب في زعمه مهاجمة فراخها في أعلى الشجرة ، والنيل منها ومن فراخها إن لم تلق له بفراخها. فعلّم الحمامة ما لم تكن تدركه بعقلها القاصر ، وأخذت بنصيحة مالك الحزين ، ولم تعد تلقي بفراخها إلى الثعلب على الأرض، وأخبرت الثعلب بأن النصيحة أتتها من مالك الحزين وأخبرته كذلك عن مكان وجوده على الشاطئ .
وذهب الثعلب يتعقب مالك الحزين لينتقم منه لأنه قطع قوته ورزقه ، واحتال عليه وجعله يخفي رأسه تحت جناحيه ، وانقض عليه الثعلب ، وأمسك بعنقه ودقة وافترسه . وعاش الثعلب وعاشت الحمامة وأولادها وأنتهى مالك الحزين في جريمة دموية بشعه .
والنتيجة المستقاه من ذلك كله هو سقوط نظرية توريث السلطة في العالم العربي ، ومدى تأصل وتغلغل نظرية العصبية القبلية والتي رسختها أتفاقية سايكس بيكو في الكيانات العربية الوليده من استقلال نيئ ، وغير ناضج وبدا ذلك واضحاً في دولة عربية كانت من أوائل الدول العربية في نهج الديمقراطية في الحكم ، وتدعي بأنها تتميز وتتقدم على غيرها من الدول العربية في الحريات والنظام السياسي المتحضر .
وما يظهر على السطح في الأزمة السورية اللبنانية هو مظاهر وأعراض جانبيه لهذه النظرية الخاطئة والتقليد الدخيل على السياسة، فالرئاسة في سوريا مُورثة ولكنها مطعمة بخبرات واسعةً في إدارة الأزمات ، وسعد الحريري أصبح بين ليلة وضحاها وريثاً منتظراً لرئيس وزراء عربي ، ووليد جنبلاط وريثاً لزعيم حزبي ، وأصبح الصراع يُدار بين وارثين قليلي الخبرة لأسلاف عتاولة في السياسة والقيادة ، وبدأ الصراع بعيداً عن الواقعية السياسية والوعي في القيادة وإدارة الأزمات ، وبدت الأزمة وكأنها شجار بين الصغار يغيب عنه العقل الخبير المجرب ويلعب به هوى الكبار في انتظار مكاسب لهم من معارك الصغار في عالم اللاوعي السياسي فتحول إلى صراع يشبه الصراع بين الثعلب الماكر والحمامة الغبية والفضولي مالك الحزين.
ربما لا ينطبق هذا على كل المتصارعين في الحلبة ، ولكن ينطبق على الأغلبية، واتسمت طبيعته بهذا الطابع الصبياني. ويتكرر المشهد مرة أخرى في وفاة أمير الكويت الشيخ جابر رحمة الله ، ويصر العرب على مبدأ التوريث الوثني حتى لو كان الوارث في حكم الميت ، غائبٌ عن الوعي ولا يدرك ما يدور حوله من أحداث لمرض الشيخوخة ومرض الجسد. عداك عن نشوء سلطات شخصانيه داخل السلطة الأم للأبناء والاقارب كما حصل في العراق لابناء صدام حسين واخوانه ، وتلاطمت مع بعضها البعض .
أما آن لهذه الأمة أن تعيش لحظة شجاعة وجرأة وتسند السلطة إلى مستحقيها حتى في نطاق العائلة الحاكمة ، ولو كان ذلك خرقاً لدستورٍ من وضع بشري قابل للتغيير والتبديل من أجل مصلحة الأمة والوطن لا من أجل مصلحة العائلة أو الحزب الحاكم حيث يكون التغيير سهلاً وأن الدساتير الوضعية ليست قرآناً أو إنجيلاً أو توراةً لا تقبل التغيير والتبديل .
وأنتم يا أهلنا في فلسطين مقبلون على انتخابات تشريعية نتمنى عليكم أن تسقطوا من حساباتكم عند الانتخابات مبدأ العصبية القبلية والحزبية وأن تُغلّبوا مصلحة الوطن والمواطن ، وأن تختاروا الرجل المناسب في المكان المناسب وأن تستفيدوا من تجارب الغير بغض النظر على التدخلات الأجنبية في هذا العرس الانتخابي وتثبتوا أنكم نموذجاً يحتذى وتصوتوا للوطن لا للشخص .
فالحذر الحذر من شخصنة الانتخابات ، والحذر الحذر من تقديم الولاء للاشخاص على الولاء للوطن ومصلحة المواطن، والحذر الحذر من التبعية للولاءات الخارجية التي تعمل على استغلال هذه الانتخابات وترسيخ التبعية الخارجية مقابل رشاوي زعامية أو مالية ، فكل ولاء خارجي سوف يصب في النهاية في أرض غير أرض الوطن ولمصلحة شعب غير الشعب المقترع وإن نتائج الانتخابات الشريفة ستصب حتماً في مصلحة الوطن ، ومصلحة الشعب الذي يعمر هذا الوطن .
وليكن الخلاف في الوسائل لا في الهدف، لأن الهدف واحد والوسائل متعدده . ولنحترم رأي الأغلبية المنتخبة بالقول والعمل . فالإسرائيليون يختلفون في الوسائل ، لكنهم مجمعون على الهدف رغم اختلاف الشعارات وأحزابهم تتناوب السلطة بدون مساس لمصلحة الدولة العليا. وعلينا اغتنام أي فرصة متاحة لنا في تحرير أي قرية أو مدينة فهدفٍ التحرير والاستقلال فوق كل الأهداف، ومطلب التنسيق والتنظيم والتوافق فوق كل المطالب والإمساك بالثوابت مبدأٌ لا يمكن الحياد عنه كالامساك بالجمر في زمن يفتقد الإيمان وإن الصبر والحكمة هما الغلاف الواقي لكل مرحلة من مراحل النضال . فالانتخابات وسيلة للتحرير لا هدفاً منتظراً أو مقدساً نسعى إليه ونتهالك من أجل الوصول إليه ، أو نختلف ونتصارع في ميدانه، فأعطوا القوس لباريها ، حتى نخرج بنتيجة إيجابية للوطن والمواطن. ونزرع بها شجرةً مثمرةً تنتج ثمراً طيباً لا نجني من ورائها شجرةً نبتت في بيئة سيئة فكان ثمرها وبالأ على زارعيها .
فانتخبوا من يستطيع تحقيق الهدف بالوسائل المتاحة وغير المكلفة على الشعب وبدون التفريط بالثوابت وأنبذوا العصبية القبلية ، التي تأتي بالرجل غير المناسب في المكان المناسب .
ونتمنى أن لا تكون الانتخابات الفلسطينية مشهداً مكرراً للانتخابات المصرية أو العراقية أو انعكاساً للواقع السياسي العربي المرير الذي لا يملك الجرأة على الانعتاق من النظرية القبلية والحزبية والطائفية الضيقة ونظرية التوريث العمياء لتكريس هذه المظاهر الوثنيه ، وغير الحضارية وأعلموا يقيناً أنه إن عُرض عليكم رشوةً مالية ، أو عزومة على مناسف عربية ، من جل التصويت لمرشح ما ، فإن تلك الرشوة تخبؤُ ورائها هدفاً غير نزيه ، ولا يصب في مصلحة الوطن والمواطن. ويختبؤ ورائها ايدٍ خفيةً لا تهدف إلى المصلحة الوطنية .
فانتخبوا بضمائر حيه ، وعقول واعية ، وبعد نظر في الآفاق السايسية ، وزنوا الأمور قبل التصويت، وحرروا أنفسكم من الولاء الأعمى للاشخاص ، والعصبية القبلية والحزبية . فقد ولـىّّ وإلى الأبد عصر الأشخاص والأصنام ، وأن الأمة تنهض بجهود كل أبنائها، وأن النجاح هو محصلة لقوى الشعب بكل أطيافه وفئاته ومراحله العمرية .
مفتاح _19/01/2006).