ما تقوم به إسرائيل من أعمال قتل وحصار في هذه الأيام ضد الشعب الفلسطيني يتعدى مسألة أسر الجندي الإسرائيلي، ويدخل في إطار الحرب المفتوحة والمعلنة التي بدأتها الدولة العبرية على هذا الشعب منذ فوز حماس وباركتها الإدارة الأميركية، وقبلت بها دول الاتحاد الأوروبي، وسكتت عنها الأنظمة العربية ومعظم دول العالم الأخرى.
وليس جديداً ما ترتكبه إسرائيل من جرائم بحق الفلسطينيين الابرياء، إذ إن القتل المنظم والمعلن ضدهم ارتبط بنشأة كيانها، ثم أضحى عنواناً لدولتها التي نسجته في مختلف تفاصيل حياة الإسرائيلي، وبات يشكل جزءاً من ثقافة وشخصية معظم الأفراد داخل الدولة العبرية. وما صور العائلات الصرعى من أمهات وأطفال ورجال التي تناثرت على رمال شاطئ غزة، سوى دليل من دلائل لا تحصى على ماهية آلة الموت الإسرائيلية، التي لا تنطق إلا لغة الحصار والقتل.
لقد أصبح القتل مفهوماً إسرائيلياً بامتياز، نظّر له العديد من مفكري الحركة الصهيونية وزعمائها، ومارسه الجنرالات والضباط والجنود والمستوطنون، خلال مجمل تاريخ الصراع على أرض فلسطين. ودخل القتل في نمط الحياة الإسرائيلية وطرق عيشها، كي يغدو قتل الفلسطيني كينونة وجود، ونمط حياة. وسُوقت شخصنة القتل وصوره حتى أصبح مظهراً مألوفاً في الحياة العامة للدولة العبرية، وأصبح معه اللباس العسكري للجنود والمجندات مظهر فخر، أو تعال منحط، يتشابه مع مظاهر من يرتدي لباس <المارينز> ومرتزقة الجيش الأميركي. وبنت الدولة العبرية مشهديات تصور الفلسطيني والعربي، بوصفه العدو المتخلف والخطر على كيانها ومظاهر حياتها ووجودها، ولَبس فيها القاتل الإسرائيلي ثوب الحمل الوديع المسالم، ثم غزت هذه الصور مختلف بلدان العالم، خصوصاً أوروبا وأميركا.
وتحولت الدولة العبرية إلى دولة عسكرية، تنشر الإرهاب والقتل والرعب، بعد أن تكشفت الصورة المزعومة لواحة الديموقراطية في الشرق الأوسط، ولم يتبق شيء من صورة الفردوس الموعود بعد أن ظهرت للعيان صور الشراسة والبربرية؛ فليس هنالك أي معيار شرعي أو أخلاقي يبرر قطع الكهرباء عن 750 ألف فلسطيني، ويتفهم تشريد 25 ألف فلسطيني، وتحويل منارلهم وبلداتهم إلى مساكن أشباح. وأقل ما يقال عن الجيش الإسرائيلي الذي قام بهذه الأفعال أنه تنظيم إرهابي لدولة نهضت على قتل الآخر.
ومع ذلك كله، فإن هذه الدولة تلقى الدعم من طرف رئيس الدولة العظمى وعصابة المحافظين الجدد التي تحيط به، وذلك لأن المجرم أضحى في معيارية الإدارة الأميركية هو المبدع، والقتل هو المفهوم، بعد أن أُدخل هذا المفهوم في حسابات رسالة التكليف الأميركية، فغدا منتوجاً قابلاً للبيع في الأحداث/المجازر التي أمست معارض، العارض فيها هو قناص إسرائيلي أو أحد عملاء الموساد أو <السي آي ايه>. وبالنسبة إلى السيد بوش وإدارته، فإن مشهد قتل عائلة الطفلة هاديا في مجزرة شاطئ غزة غير مؤثر ولا يهزّ المشاعر إن كان قد تبقى لديهم بعض منها بوصفه حدثاً طارئاً بالمقارنة مع أسر الجندي الإسرائيلي. وعلى الضحية، حسب معيارية إدارة بوش، أن تعتذر عن مقتلها، بوصفها تتحمل مسؤولية قتل قاتلها لها، وعليها أن تتفادى القتل مرة أخرى. هكذا، يتجاور كل شيء مع كل شيء، ويشوب كل شيء كل شيء، فوفق معيارية بوش يجب أن لا يدان القاتل على فعلته في المجزرة، لأن الضحية تتحمل كامل المسؤولية عن الجريمة! وما تقوم به آلة القتل الإسرائيلية هو مجرد الدفاع عن النفس في مواجهة الإرهاب الفلسطيني المدان! إنها خلطة عجيبة وتجاور مشوب، فالفلسطينيون العزل يستخدمون صدورهم ورؤوسهم بإفراط وعليهم التخلي عنها أمام المجازر والجرائم التي يرتكبها الجنود الإسرائيليون والتي تدخل من باب الدفاع عن النفس. إن هذه المعيارية تخفي، ليس فقط، التحيز الكامل لجرائم إسرائيل، بل شراكة يتفاضل فيها القاتل على الضحية، وبالتالي على الفلسطيني أن يغدو لا فلسطينياً كي يدخل في معيارية البيت الأبيض لحقوق الإنسان، أي يتوجب على الضحية تغيير جلدها ودمها كي تحظى بنظرة إشفاق من لدن ساسة أميركا، فالمعيارية أضحت مختلفة ومختلقة.
لكن، ما الهدف من الحرب المفتوحة والمعلنة التي يواجهها الشعب الفلسطيني؟ هل هو ثنيه عن خياره التحرري وممارسته الديموقراطية أم الإمعان في المزيد من القتل والإرهاب كي يستكين ويرضخ للإملاءات والشروط الأميركية الإسرائيلية؟ بالطبع السؤال ليس موجهاً للشعوب العربية المغلوبة على أمرها، والتي صادرت أنظمتها رأيها في جميع القرارات والأحداث، وباتت لا تملك حتى حق التظاهر للتعبير عن سخطها لما يجري للفلسطينيين وتضامنها معهم، فالحق مصادر لصالح الأنظمة: أنظمة <الصمود> وأنظمة الخضوع.
إنه سؤال ينتظر إجابة الشعوب التي تملك قرارها، للمجتمع المدني العالمي، وللنخب الفكرية والثقافية، صاحبة الضمير الحي في عالم اليوم. وهو سؤال يمتلك الشعب الفلسطيني، الذي ينتظر الدعم والمساندة، إجابة واضحة عليه. فهذا الشعب، بالرغم من كل ما وقع عليه، لن يرضخ، ولن يستكين، بل سينهل كما عودنا من مخزونه النضالي ليرد على كافة أشكال القتل والحصار والانحياز ضده.
وقد ردّ الشعب الفلسطيني رداً واضحاً على الممارسات التي حشرته في منطقة ضيقة من اللهاث وراء متصوّر لدولة دون مقومات أي دولة، حتى بدت دولة فارغة من أي مضمون، ولا تملك أياً من ثوابت العدالة والإنصاف والحياة سوى كونها <دولة> شبه متخيلة في واقع افتراضي. وكان السبب في هذا الحشر الاستقالة من السعي إلى التحرر الوطني والنزوع نحو العمل على الهوامش والوعود اللفظية، وهي هوامش مرتبطة بأشد درجات الغطرسة الإسرائيلية والأميركية. - السفير 7/7/2006 -