لا يمكن إحالة العدوان الإسرائيلي الحاصل في قطاع غزة، إلى العملية الفدائية، التي حصلت ضد الموقع العسكري في كرم سالم، فهذه العملية كانت جريئة وناجحة وشرعية، بمعزل عن توقيتها، ومستوى تحمّل الشعب للتداعيات التي يمكن أن تنجم عنها، ومدى دراسة المخططين لها لعواقب استهدافها أسر أحد الجنود.

الواقع أن إسرائيل كانت تعدّ لتوجيه ضربة قاسية للقطاع، بدعوى وقف الهجمات الصاروخية عليها، لكن الهدف منها اجتثاث المقاومة المسلحة فيه، وتعزيز الشرخ بين أطرافه، وتصعيب عيش الفلسطينيين داخله، وصولاً لتطويعهم لإملاءاتها. وهذا ما ذكره أليكس فيشمان (المحرر العسكري في "يديعوت أحرونوت") في مقال له (21/6) عن ملامح خطة متدحرجة وضعها الجيش الإسرائيلي لاجتياح قطاع غزة، وأنه تدرّب عليها وجهّز لها، مؤكدا بأن الأمر بات ينتظر "الفرصة الملائمة."

ومن دون التقليل من المسؤولية التي تتحمّلها بعض الجماعات الفلسطينية المسلحة، عن ما آلت إليه الأحوال، بسبب خرقها الإجماع بشأن التهدئة، وانتهاجها عمليات القصف الصاروخي، للتجمعات المدنية الإسرائيلية المتاخمة للقطاع المحاصر (وليس المحرّر)، فإن إسرائيل تعمّدت طوال الفترة الماضية، استدراج الفلسطينيين لمواجهات مسلحة، لإرباكهم واستنزافهم وتغطية تملصها من عملية التسوية، من خلال شنّ اعتداءات وحشية عليهم، واغتيال كوادرهم، وتشديد حصارها للقطاع، بدعوى عدم التعامل مع الحكومة الفلسطينية، التي شكلتها حركة حماس، على الرغم من التزام معظم الفصائل بالتهدئة، منذ أواخر العام 2005.

على ذلك فإن العدوان الإسرائيلي على غزة يأتي في السياق المعهود لسعي إسرائيل تجنّب فتح المسار السياسي في علاقاتها مع الفلسطينيين، بدعوى أنه لا يوجد بينهم شريك للتسوية، وأنهم غير مؤهلين لإدارة أوضاعهم، في إصرار منها على انتهاج الحلول الأمنية في التعامل معهم، لمنعهم من حصد أية ثمار نتيجة سلوكهم طريق المقاومة، ولإعطاء نوع من الشرعية للحلول الأحادية التي تطرحها.

الواضح من حجم العملية العسكرية في غزة، واستهدافاتها، وطريقة تنفيذها، أن إسرائيل بيّتت لعمل كبير، لا يقتصر على فرض العقاب الجماعي على الفلسطينيين، لكسر إرادتهم وتطويعهم، فقط، ولا على توجيه ضربة قاسية لبني المقاومة، فحسب، وإنما هو يشمل، أيضا، خلق المناخات المناسبة، عند الإسرائيليين والفلسطينيين، وعلى الصعيدين الدولي والإقليمي، لفرض الحل الأحادي، الذي يتضمن فرض وقائع جديدة في الأراضي المحتلة، تتيح لإسرائيل تحديد حدودها، وفرض تسوية طويلة المدى، وفق مصطلحات الاحتلال المريح، برضى الفلسطينيين أو رغما عنهم! ويبدو أن إسرائيل في ذلك تمهّد لانفصالها عن الفلسطينيين، في ذروة بطشها بهم، بحيث لا يبدو الانفصال، أو الانسحاب، من بعض مناطق الضفة، هزيمة لها، وبحيث تسكت الأصوات المعارضة لهذه الخطة لدى اليمين الإسرائيلي المتطرف.

هكذا فإن بعض الجماعات الفلسطينية، التي لا تدرك عواقب ما تفعل، أو لا تهمّها هذه العواقب أصلاً، تكون أسهمت، بمعزل عن نواياها، وعبر ما يسمى بحرب القذائف الصاروخية، بإضفاء نوع من التغطية أو التبرير لهذه الحملة العسكرية الإسرائيلية، من دون التمعّن في الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب، من دمه ومعاناته وعمره، جراء هذه المغامرات الطائشة وغير المحسوبة، بالمعاني وبالجدوى السياسية. كذلك لا يمكن هنا التقليل من مسؤولية السلطة، بكل مستوياتها، عن عدم قيامها بالمطلوب منها في هذا المجال، لجهة ضبط الأوضاع وكبح جماح الجماعات المسلحة المنفلتة من عقالها، وفرض توافقات وطنية بشأن الأشكال النضالية التي ينبغي اعتمادها، وبحسب كل مرحلة، في مواجهة إسرائيل.

والواقع فإن الجماعات المسلحة والمتطرفة باتت تحتل مكانة متزايدة في المشهد الفلسطيني، مستغلة حال الفوضى والتسيب والخلافات السائدة، في هذه الساحة، ولاسيما بين فتح وحماس، كي تفرض أجندتها الفوضوية اللامسؤولة، أو أجندتها السماوية والعالمية، على الطريقة التي يتحدث بها ناطقون من طراز: أبو مجاهد وأبو هارون وأبو عبير وأبو عبيدة في الفضائيات! وكأن هؤلاء، على غضاضة سنهم وتجربتهم ومستوى مداركهم، باتوا يمثلون الشعب الفلسطيني، ويقودون نضاله، بدلا من أبو مازن أو إسماعيل هنية، على سبيل المثال! وعلى الأغلب فإن هؤلاء في تصريحاتهم لا يدركون الواقع المحيط بهم، ولا موازين القوى، ولا معنى التضحيات والمعاناة والعذابات التي تذهب مجانا، بسبب نزواتهم، أو سذاجتهم، جراء خضوعهم للاستدراجات الإسرائيلية، وتوريطهم شعبهم في مواجهات غير محسوبة، خصوصا وهو يدّعون بأن إسرائيل ستخسر جراء مهاجمتها غزة، وأنهم سيدمرون الجيش الإسرائيلي، وأنهم سيهزمون إسرائيل في هذه المواجهة، ولا أحد يدري لماذا لم يفعلوها من قبل؟! أو من الذي حال بينهم وبين هذا الأمر؟!

وعلى أية حال فإن المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، منذ اندلاع الانتفاضة الثانية (أيلول 2000)، اتسمت بنوع من الصراع الدامي والممتد وغير المحسوب، إذ أن كل طرف منهما كان يحرص على تحطيم أية قواعد معروفة للصراع، بسبب الطابع الصفري للصراع بينهما (الصراع على الوجود)، وبسبب عدم نضج كل طرف للتعايش أو للتعامل بنوع من التكافؤ، ولو النسبي، مع الطرف الأخر، مع الأخذ بعين الاعتبار واقع قدرة إسرائيل على السيطرة واختلال موازين القوى لصالحها، وكونها هي التي تحتل أراضي الفلسطينيين وتتحكم بحياتهم وتبطش بهم.

فمنذ اندلاع الانتفاضة أطلقت إسرائيل، في ظل قيادة حزب العمل، شعار: "دعوا الجيش ينتصر"، وواجهت المتظاهرين العزل من السلاح بالرصاص، ما أدى إلى استشهاد 247 فلسطيني، في الشهرين الأوليين للانتفاضة (مقابل 37 إسرائيليا)، وكأنه ليس ثمة تسوية، أو كأن الفلسطينيين مجرد أشياء فائضة. وبعد العملية التفجيرية في مطعم سبارو في القدس الغربية (6/8/2001)، استغلت إسرائيل الوضع فعزلت القدس عن الضفة، وحدّت من الوصول إليها وإلى المسجد الأقصى، وأغلقت "بيت الشرق"، وحظرت أنشطة منظمة التحرير فيها، ما حجّم من دور القدس في الانتفاضة، وهو كان على غاية في الأهمية في الانتفاضة الأولى على الصعد الإعلامية والدبلوماسية والجماهيرية. وإثر اغتيال وزير السياحة رحبعام زئيفي (17/10/2001)، المشهور بتطرفه ودعوته إلى ترحيل الفلسطينيين من بلدهم، وجدت إسرائيل الفرصة سانحة لها لاقتحام المناطق (أ) التابعة للسلطة، ومهاجمة مؤسساتها ومقراتها الأمنية وقياداتها. وعندما حصلت سلسلة التفجيرات في القدس الغربية وحيفا يومي 1و2/12/2002، قامت إسرائيل بتدمير مطار غزة، وفرضت الحصار على الرئيس الراحل ياسر عرفات في رام الله. أما بعد العملية التفجيرية في نتانيا (27/3/2002)، فقامت إسرائيل بتجريد حملة "السور الواقي"، ثم اتبعتها بحملة "الطريق الحازم"، التي نجم عنها، عزل الرئيس ياسر عرفات في مقره في رام الله، عن العالم، ومحاصرة السلطة، ومعاودة احتلال المدن الفلسطينية، وتقويض اتفاق أوسلو (1993) نهائيا، وهو ما كان شارون يعمل عليه، بغض النظر عن الاجحافات المتضمنة في هذا الاتفاق بالنسبة لحقوق الفلسطينيين. وفي ظل هذه الحملة المدمرة وجد الفلسطينيون أنفسهم مكشوفين للعدوان الإسرائيلي المدعوم من الإدارة الأميركية، التي اعتبر رئيسها أن ما يقوم به الجيش الإسرائيلي إنما هو دفاع عن النفس، ونوع من الحرب العالمية ضد الإرهاب (في أجواء ما بعد الهجوم الإرهابي على واشنطن ونيويورك في أيلول 2001)!

وكانت العمليات التفجيرية سهّلت على شارون (رئيس وزراء إسرائيل سابقا) ترويج رؤيته للصراع مع الفلسطينيين باعتباره صراعا على الوجود أو بمثابة حرب الاستقلال الثانية، كما بررت له تنفيذ خططه (المعدّة مسبقا) لإعادة احتلال الأراضي الفلسطينية وتقويض عملية التسوية، مستغلا الهياج الإسرائيلي وضعف قوى السلام الإسرائيلية؛ خصوصا أن هذه العمليات شوّشت على التعاطف الدولي مع الكفاح الفلسطيني، وطمست الطابع العنصري والاستعماري لدولة إسرائيل، لاسيما بعد أن نجحت إسرائيل في توظيف هذه العمليات، دوليا، لتظهير صورتها كضحية ل"إرهاب" الفلسطينيين، والنيل من شرعية مقاومتهم والتشكيك بعدالة قضيتهم.

وفي إطار هذه المناخات قامت إسرائيل ببناء الجدار الفاصل، بدعوى أنه جدار امني، وقطّعت أوصال الضفة الغربية، وعزلت قطاع غزة تماما، بدعوى وضع حد للعمليات التفجيرية، وحماية أمن إسرائيل. وبعد ذلك قادت هذه التطورات إلى اعتماد إسرائيل لخطة الفصل الأحادي، للتخلص من عبء الفلسطينيين، الديمغرافي والسياسي والأمني والاقتصادي، وفرض التسوية من طرف واحد بحسب مصالحها.

من كل ذلك يتبين أن الفلسطينيين، وبسبب فوضاهم وخلافاتهم وتنافساتهم، لم يتمعّنوا تماما في خطاباتهم وأشكال عملهم ووسائل كفاحهم ضد إسرائيل وسياساتها، وأنهم لم يتوقفوا مليا، ولو لمرة، لدراسة الاستراتيجية السياسية والعسكرية التي ينبغي أن ينتهجوها، وأنهم لم يفكروا تماما في عواقب أو تداعيات كل خطوة، أو كل عملية، لا على شعبهم، ولا على حركتهم الوطنية، وصورتها.

لم يكن ثمة حاجة لإتاحة الفرصة لإسرائيل لتبرير أعمالها الإرهابية الشنيعة، فلتقم إسرائيل بذلك من ذاتها، لتظهر أمام العالم على حقيقتها، وليس في مخاتلة اسمها "الدفاع عن النفس"، أو وقف الهجمات "الإرهابية" أو الصاروخية(!)، التي تطاول المدنيين في المدن الإسرائيلية.

المعنى أنه ليس المطلوب من الفلسطينيين التخلي عن المقاومة، لكن المقاومة ليست مجرد فعل عسكري، لمجموعة محترفة، وليست مجرد عمليات تفجيرية، فالمقاومة هي اشمل وأكبر واعقد من ذلك، وهي فعل لكتل شعبية واسعة، تتجلى بمظاهر الصمود والممانعة والعصيان المدني والمقاومة المسلحة المرتبطة بأفق سياسي، وبنوع من انضباط في تحديد الهدف، ومكانه وزمانه.

كان على الفلسطينيين إبداء مزيد من الحرص على إظهار صورتهم كضحايا للاحتلال، ولقوة إسرائيل الغاشمة، وعنصريتها، لا الادعاء بعناصر قوة غير موجودة، أو موهومة، فقوة الفلسطينيين تكمن في وحدتهم وحسن إدارتهم لصراعهم، وقدرتهم على الصمود والممانعة ومقاومة الاملاءات الإسرائيلية.

في ذلك فإن مهمة الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل كان ينبغي أن تنصب على تجنب الدخول في مواجهات غير محسوبة معها، وفي رفض الاستدراج لمخططاتها الرامية لاستنزافهم وإرهاقهم وسحقهم. وفي تجنب إعطاء التغطيات والمبررات لها لاستخدامها لشن الحرب المدمرة عليهم. وفي مقابل ذلك كان على الفلسطينيين أن يكونوا أكثر حرصا على انتهاج الخطابات وأشكال النضال التي تعمق الشرخ في المجتمع الإسرائيلي، وعدم تمكين إسرائيل من استخدام ميزة تفوقها العسكري في مواجهتهم. فمن الواضح أن إسرائيل تستطيع أن تقتل وأن تدمر وأن تأسر وأن تبيد، أكثر بكثير جدا مما يقدر عليه الفلسطينيون، فهذا المجال هو مجال إسرائيل بوصفها قوة احتلال غاشمة، وبوصفها كيان عنصري يمارس إرهاب الدولة المنظم، منذ قيامه، وفي هذا لا ينبغي أن يتشبه الفلسطينيون بها، فهؤلاء يكمن سلاحهم في قوة إرادتهم، وإيمانهم بقضيتهم، قضية الحرية والعدالة والمساواة، وفي استعدادهم العالي للتضحية والصمود في وجه الغطرسة الإسرائيلية. - مفتاح 11/7/2006 -