في ذاكرة جيلنا تصطف الحروب الاسرائيلية على لبنان الواحدة تلو الاخرى منذ "غزوة" المطار في 28 كانون الاول 1968 والتي واجهناها "بانتفاضة" الطلاب التي اتسعت لتشمل جامعات لبنان كلها دون استثناء، حتى حرب "الجنديين" الدائرة رحاها هذه الايام والتي يستطيع فيها الجيش الصهيوني ان يقصف حيث يشاء، وان يحاصر ما يشاء، وان يغلق مطارات، ويدمر جسوراً، ويقفل مرافئ، لكنه لا يستطيع على مدى يومين التقدم امتاراً لاستعادة جثث جنوده الذين قادهم حظهم العاثر امتاراً داخل الارض اللبنانية فاستقبلتهم "عبوة" معدة خصيصاً لدبابات الميركافا الاسرائيلية الشديدة التطور.

واذا كان لكل حرب من الحروب السابقة نكهتها ولونها الخاص، واهدافها المحددة، فانها كانت كدرجات في سلم بدأ باستضعاف لبنان واستسهال العدوان عليه لينتهي بقصف منشآته الكهربائية في تموز 1999 وشباط 2000 معتقداً انه بالظلام قادر على سحق الارادة اللبنانية فاذا بفجر التحرير يشق الليل بمشاعله المضيئة.

لكن حرب اليوم فيها من كل تلك الحروب ميزاتها، وخصائصها، فيها طهارات الحروب في السبعينات، وفيها من حروب الثمانينات علينا وعلى الفلسطينيين الجسارة والصمود الذي وصل الى ذروته في حصار بيروت الذي نحس بطعمه ونشتم رائحته هذه الايام، وفيها من حروب التسعينات تلك القدرة الخارقة التي تجعل العين تقاوم المخرز، لكن في هذه الحرب المستمرة اليوم اضافات نوعية ينبغي الا نسهو عنها.

فالحرب الاسرائيلية هنا دفاعية، ولو اخذت شكلاً هجومياً، لانها تحاول ان تحقق هدف التعادل (ما دمنا في زمن المونديال) بعد ان حققت المقاومة هدفها النوعي في عملية "الوعد الصادق"، وهي، اي الحرب الاسرائيلية، مهما دمرت وقتلت فلن تفعل اكثر مما يفعله افراد الفريق الخاسر بالاعتداء المتواصل على لاعبي الفريق الرابح فيؤذونهم دون ان يغيروا النتيجة حتى الآن. والحرب الاسرائيلية هنا "هروبية" من حرب غزة (التي علق فيها الجيش الصهيوني، كالذي يعلق في مصعد نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، فلا هم قادرون على التوغل ولا هم قادرون على التراجع)، الى الحرب على لبنان حيث تحركهم روح الثأر من هزيمتهم الساحقة عام 2000، وروح الحسد من اعمار لبنان واستعادته لدوره الاشعاعي في المنطقة، وقد اجتمعتا لتنقضا قتلا وتدميرا على هذا البلد الذي شكل دائما النقيض الكامل للمشروع الصهيوني.

وهذه الحرب ايضا يجتمع فيها المحلي الاسرائيلي، كما المحلي اللبناني، كما الاقليمي، كما العالمي، كما لا تجتمع في حروب اخرى، فأولمرت يعتقد انها فرصته التاريخية ليدخل نادي الزعماء التاريخيين في اسرائيل بالحرب بعد ان دخل نادي رؤساء الحكومات بالصدفة اثر غيبوبة شارون، وبيرتس يريد ان يعيد الى حزب العمل شبابه الدموي بعد ان افقده عجائزه حيويته وجاذبيته، فركب الاثنان مركب التطرف الدموي وتسابقا في ابراز عضلاتهما السياسية امام جنرالات لاهثين الى دور سياسي ولكنهم قلقون من شعورهم بأنهم يمتلكون تفوقا تكتيكيا عملياتيا غير محدد، ولكنهم في قدراتهم الاستراتيجية مكبلون بذكريات التاريخ الموجعة مع المقاومة في لبنان، وبحقائق الجغرافيا المتمردة والمتنامية على امتداد الاقليم المتسع وصولا الى طهران وربما كابول.

وهنا بالذات يبرز البعد الاقليمي لهذه الحرب، ليس كورقة سورية وايرانية، كما يقول البعض للتحريض على حزب الله بل كمشاركة لتل ابيب، النافدة الصبر من تنامي روح المقاومة والممانعة في المنطقة، بعد ان ظن كثيرون انها قد اخمدت الى الابد بعد احتلال العراق، بل كمحاولة صهيونية لاستعادة دور إقليمي استراتيجي لصالح المشروع الامبراطوري الاميركي بعد ان ظن كثيرون ايضا ان هذا الدور قد تراجع كثيرا مع الدخول العسكري الاميركي المباشر الى المنطقة منذ اوائل السبعينات.

تل ابيب هنا تقول لواشنطن، اذا كنت تخشين من حزب الله في حال قررت مهاجمة ايران، فها انذا سأخلصك من هذا "الخطر"، واذا كنت تخشين من المقاومة اللبنانية في حال اردت تصعيد الضغوط على دمشق، فها آنذا انزع لك انياب هذه المقاومة، بل اذا شعرت بأن حزب الله وحلفاءه قد اعاقوا بثقلهم الشعبي والعسكري مشروعك للانقلاب بلبنان من موقع في الصراع الى الموقع المقابل فأنا كفيلة بازاحة هذا العائق.

اذن الذي يلعب الورقة الاقليمية والدولية هو تل ابيب لا حزب الله مع الاحترام لكل رأي آخر، بل يبدو ان حاخامات تل ابيب يشعرون بالحرج الذي يمر به حلفاؤهم المحافظون الجدد من جراء فشل مشروعهم في بقاع عديدة في العالم من كوريا الشمالية الى اميركا اللاتينية، مرورا بافغانستان وباكستان وآسيا الوسطى، وصولا الى ايران المصممة على دخول النادي النووي، والعراق المصمم بمقاومته على اخراج قوات الاحتلال الاميركية، وسوريا التي بقيت ثابتة في خياراتها رغم كل ما اشيع عنها من تنازلات مبدئية في القضايا التي تجعلها محط ضغط اميركي وصهيوني، فيسعون عبر حرب لبنان ان يعيدوا الحياة الى مشروعهم المترهل في واشنطن.

فهل يوقف اولمرت مسارا اميركيا انحداريا يلف العالم كله من خلال "تدمير لبنان" كما يقول الرئيس شيراك في تحذيره الاخير، وهل المسألة حقا هي عملية استعادة جنديين اسيرين التي يريد اولمرت من خلالها ان يثبت لمواطنيه انه اذا اعتمد اسلافه اسلوب التبادل فهو لن يفعل، واذا اراد ان يفعل فبيرتس على "يمينه" لن يسمح له.

وبدون شك، فان الايام المقبلة ستكشف اذا ما كان اولمرت قادراً على تحقيق اغراضه ام لا، لكن من يعرف لبنان تماما، ويعرف اشعاعه وتأثيره في العالم كله، ويعرف قدرة ابنائه على التوحد بوجه العدوان ايا يكن حجم الخلافات بينهم، ويعرف قدرة مقاومته وذكاء قادتها وحسن تدبيرهم الذي يجاور الدهاء، يدرك ان لبنان الذي تجددت مقاومته المجاهدة في اوائل التسعينات في زمن انهيار الاقطاب الدوليين وسيطرة الاحادية الاميركية، والذي حقق في مطلع القرن الحادي والعشرين انتصاره على المحتل الصهيوني، رغم ان واشنطن ارادت لهذا القرن ان يكون قرنا لهيمنتها مع حلفائها وادواتها في العالم، قادر اليوم على هزيمة هذا العدوان الصهيوني الذي لن يزيد من مأزق مرتكبيه فقط، بل سيزيد من مأزق واشنطن ذاتها، فالمقاومة في لبنان اليوم هي سند لفلسطين في مواجهة العدوان، وهي دعوة للعراق من اجل الوحدة في مواجهة الاحتلال والفتنة.

فاذا لم توقف تل ابيب عدوانها خلال فترة قصيرة، فسيصيبها في لبنان، ما اصابها في غزة، حيث "ستعلق" في مصعد العدوان فلا هي قادرة على الاستمرار، ولا هي قادرة على التراجع. شجاعة اولمرت اليوم ليست في قتل المزيد من العائلات اللبنانية، وفي تدمير المزيد من البيوت والجسور والمرافق الحيوية، بل هي في قرار بالتفاوض غير المباشر لعقد صفقة تبادل بين جنوده الاسرى الثلاثة في غزة ولبنان وبين الآلاف من أسرانا في سجونه.

صديق ظريف قال لي: اولها مطار وآخرها مطار، مشيرا الى ان اول العدوان الصهيوني عام 1968 استهدف المطار، واخرها يستهدف المطار اليوم...

انها صلة لبنان بالعالم يريد اولمرت ان يقصفها، ولكنه لا يدرك ان العالم كله مليء باللبنانيين. - مفتاح 15/7/2006 -