نتوقف مجددا امام هذه الحرب الاسرائيلية الاحتلالية المسعورة المنفلتة المتدحرجة "بلا حدود وبلا خطوط حمراء/ كما وصفها السيد حسن نصرالله/".. وامام هذه الجرائم الشاملة المتدحرجة المتصاعدة في الايام الاخيرة والممتدة من غزة ورفح وبيت حانون وبيت لاهيا وخانيونس و بلاطة ونابلس وكافة الامكنة الفلسطينية على امتداد مساحة الوطن العربي الفلسطيني...الى لبنان و على امتداد مساحة الوطن اللبناني من اقصاه الى اقصاه ومن جهاته الاربع.. حيث تقوم الآلة الحربية الاسرائيلية بدك وتدمير كافة عناوين ومواقع البنى التحتية اللبنانية المدنية والامنية على حد سواء ..وذلك ليس في اطار خطة حربية واضحة صريحة تستهدف الاهداف والمواقع العسكرية لحزب الله مثلا ..وانما في اطار ما يمكن ان نطلق عليه تعميم الدمار والتهديم والقتل والموت الجماعي والفردي بغية تعميم حالة الرعب والفزع والارهاب ...
نتوقف مجددا امام هذه الحرب والجرائم لنؤكد انها حرب مخططة ومنهجية ومبيتة مع سبق الاصرار ... وانها بالتأكيد جرائم حرب شاملة تنتهك كافة المواثيق والقوانين الدولية والبشرية انتهاكا صارخا سافرا ، بل ان ما يقترف هناك من قبل دولة الاحتلال هو "ارهاب الدولة" بكل ما ينطوي عليه هذا المصطلح من دلالات وتداعيات يتجاهلها المجتمع الدولي .
وليس ذلك فحسب ...! فحسب المكونات الجينية للعقلية الصهيونية / الاسرائيلية فان كل هذه الحروب الممتدة من فلسطين الى لبنان وكل هذه الانتهاكات الجرائمية ليست عفوية او ردات فعل على ما يطلقون عليه "الارهاب الفلسطيني" او "ارهاب حزب الله"، انما هي/ كما كنا كتبنا واشرنا مرات ومرات في الدستور وغيرها/ نتاج مكثف لثقافة القتل والهدم والجدران، التي فرختها ورعتها وقوتها مستنقعات الفكر العنصري الصهيوني.. ذلك الفكر الذي لا يرى بالاخرين من الفلسطينيين والعرب على نحو خاص، سوى "اغيار من الحيوانات"، التي يجب "سحقها او تصفيتها وابادتها بالصواريخ"، حسب تصريحات كبير حاخاماتهم عوباديا يوسف، ولا يرى باليهود سوى "شعب الله المختار".
واذا ما اضفنا الى ذلك تلك الابعاد الاستراتيجية السياسية الصهيونية التي يعمل المشروع الصهيوني من اجل تحقيقها، فاننا يمكننا ان نؤكد اولا اننا امام دولة متميزة عن دول العالم بسياسة الاغتيالات والارهاب ،في الوقت الذي يمكننا ان نتنبأ ايضا ان ثقافة القتل والهدم والتدمير في فلسطين ولبنان لن تتوقف ولن تنتهي، وان التطبيقات الاجرامية لهذه الثقافة ضد اطفال ونساء وشيوخ فلسطين ولبنان كذلك ستستمر وستتأجج، طالما هم يعتبرون ان فلسطين من البحر الى النهر هي "ارض اسرائيل" وان "من حق اليهودي ان يقيم - يستوطن - في اي مكان يريد".وطالما هم يعتبرون ان المجال الامني الحيوي ل"اسرائيل" يمتد ليشمل كافة العواصم العربية والاقليمية بما في ذلك لبنان وعاصمتها وضاحيتها الجنوبية .. وطالما "ان تلك الدولة الاحتلالية تحظى بتحالف ودعم وغطاء اقوى دولة على وجه المعمورة، وطالما انها تحظى كذلك بتفكك وعجز وصمت واستخذاء واستسلام وتأقلم عربي نموذجي مع وجودها وتهديداتها وشروطها الابتزازية".
فعلى امتداد مساحة الوطن الفلسطيني المحتل، تقوم قوات الاحتلال بحملات الاعتقال والقتل والابادة ضد الفلسطينيين على مدار الساعة، وتقوم جرافات ودبابات وصواريخ الاحتلال باعمال الهدم والتدمير الشامل لكافة مكونات البنية التحتية ومجالات الحياة الفلسطينية، في الوقت الذي تقيم فيه جدران العزل العنصري "الابرتهايدي" على امتداد مساحة الضفة والقطاع، وكل ذلك يتم تحت شعارات كبيرة مضللة تتحدث عن السلام والديموقراطية والتعايش .
وبالارقام والحقائق الماثلة هناك، وحسب احدث التقارير الفلسطينية، فان عدد الشهداء الفلسطينيين منذ اندلاع انتفاضة الاقصى والاستقلال الى هذا اليوم وصل الى نحو (4600) شهيد، منهم حوالي 35% من الاطفال، واكثر من (275) من الشهيدات الفلسطينيات، بينما وصل عدد الجرحى الى نحو 55 الف جريح، تصل نسبة الاطفال منهم الى اكثر من 30%، في حين وصل عدد المعتقلين في معسكرات الاحتلال الى حوالي 45 الف معتقل.
اما بالنسبة للهدم والتدمير فقد بلغ عدد المنازل الفلسطينية التي دمرت تدميرا كاملا وجزئيا الى نحو 82000 منزل، بينما لا تبقي الجرافات العسكرية العملاقة من الارض والبيت والشجر ولا تذر، فهي لا تتوقف ابدا عن تجريف وتهديم البيوت فوق رؤوس اطفالها ونسائها وشيوخها، ولا تتوقف عن اجتياحات التجريف والتدمير والاقتلاع، اذ وصل عدد الاشجار التي تم تجريفها، وتدميرها او اقتلاعها وسرقتها الى اكثر من مليون و250 الف شجرة.
اما عن الجدران العنصرية فحدث.. فها هو جدار العزل المشهور المخطط له ان يمتد من اقصى شمال الضفة الى اقصى جنوبها، عبر وسط الارض الفلسطينية ليقطعها الى اجزاء، وليلتهم ويهود اكثر من نصف مساحة الضفة، وها هي تداعياته وتأثيراته تطال كافة مجالات الحياة الفلسطينية، فهذا الجدار يصادر الارض الخصبة والاستراتيجية ومصادر المياه الفلسطينية من جهة بينما يدمرمن جهة اخرى الابار ويهدم الاف المنازل ويقتلع الاف الاشجار ويحول المدن والتجمعات الفلسطينية المختلفة الى معسكرات اعتقال في الجانبين الشرقي والغربي منه على حد سواء . كان الدكتور مصطفى البرغوثي قد اعتبر الجدار "انه اخطر الاسلحة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني على الاطلاق"، بينما اعتبره احمد قريع - ابو العلاء - انه "ابشع انتهاك عرفه التاريخ"...
كان عمرو موسى امين البيت العربي قد اكد"انه من العبث الحديث عن السلام مع الاسرائيليين طالما ان الدولة العبرية مصممة على بناء الجدار في الضفة الغربية"، اما الجمعية العامة للامم المتحدة فاعتبرته كما هو معروف غير شرعي وطالبت "اسرائيل" بوقف بنائه .
غير ان عقلية الجدار لم تتوقف عند هذا الجدار الكارثي الذي سيصل طوله الى نحو 1000 كم، بل اصبح لدينا الى جانبه جدران اخرى تتوالد تباعا، فهناك جدار القدس الذي يطلقون عليه "الغلاف"، وهناك جدار شارون الخاص بالاغوار، وهناك جدار رفح، وهناك جدران اخرى ستحيط بالمستعمرات اليهودية المنتشرة في انحاء الضفة.. جدران كبيرة وضخمة وبرلينية وصينية وغيرها.. وجدران صغيرة متزايدة يوما عن يوم .يضاف اليها مؤخرا جدار "المنطقة الامنية او الحزام الامني "في غزة ... وانتقالا من فلسطين الى لبنان وفي هذا السياق تحديدا نتابع ذات العقلية والمنهجية التدميرية الشاملة حيث لا تستثني غارات القصف والنسف والهدم والتدمير والقتل مسكنا او بناية او جسرا او مطارا او ميناءا او حيا اوشارعا او سيارة او حافلة او قافلة ..او مدينة اوبلدة او قرية او مخيما وغير ذلك ...فهذه الحرب الاسرائيلية التدميرية الاجرامية ضد لبنان بلا حدود وبلا خطوط حمراء ...كما كانت وكما هي اليوم في فلسطين ... انها ادبيات الفكر العنصري الصهيوني في ابشع تجلياته.. وثقافة الهدم والتدمير الشامل ...وثقافة الاغتيالات والقتل والمجازر الجماعية ...وثقافة جدران الاستيطان والضم والتهويد والتهجير في ذروة تطبيقاتها الاجرامية المنفلتة بلا اية كوابح اخلاقية او عربية او دولية..
انها ثقافة ومنهجية"اسرائيل".. دولة الارهاب المنظم الخارجة اليوم على كافة القوانين والمواثيق الدولية، والمتمردة على اكثر من 800 قرار دولي صادر عن الامم المتحدة بمجلسها وهيئتها العامة ولجانها المختلفة..
ونتساءل في ظل هذه المشهد : ماذا يقول بنو يعرب من محيطهم الى خليجهم بدورهم حينما تكون الحروب الاسرائيلية ضدهم بلا مفتوحة متدحرجة بلا حدود وبلا خطوط حمراء ....؟!!! ولماذا استمرار حالة الصمت والعجز والاستسلام والتأقلم على المستوى العربي كله..؟!!
وماذا يقولون مثلا عن تهديداتهم وقراراتهم وحروبهم المتدحرجة التدميرية المجازرية النكبوية التجويعية ضد الشعب الفلسطيني ..وضد لبنان والشعب اللبناني ...؟! خاصة وقد يكون الآتي حسب المؤشرات الكثيرة اعظم واخطر على فلسطين ولبنان ... وعلى القضية والوجود والحقوق والحاضر والمستقبل ...؟! nawafzaru@yahoo.com - مفتاح 17/7/2006 -